أخبار العالم

هل اتفاقيات الاتحاد الأوروبي للتجارة الحرة هي سبب محنة القطاع الزراعي في فرنسا؟



تلقي النقابات الزراعية الفرنسية باللوم على بعض اتفاقيات التجارة الحرة للاتحاد الأوروبي كما تشكك بجدية في جدواها. وتشجب جميعها سياسة الباب المفتوح أمام “المنافسة غير العادلة” على الرغم من تمكن قطاعات معينة بالفعل من الاستفادة من هذه الشراكات… تحليل

نشرت في:

9 دقائق

رؤية التفاح التشيلي أو الحبوب البرازيلية أو اللحم البقري الكندي… يغمر السوق الأوروبية على حسابهم، تعد أحد المخاوف التي أثارها المزارعون الفرنسيون الذين يواصلون التظاهر على الطرق السريعة في فرنسا الخميس الفاتح من فبراير/كانون الثاني الجاري. ففي نظرهم: تمثل اتفاقيات التجارة الحرة والشراكات التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع أجزاء مختلفة من العالم تفتح الطريق أمام نوع من المنافسة غير العادلة. لقد وقع الاتحاد الأوروبي بالفعل العديد من اتفاقيات التجارة الحرة في السنوات الأخيرة، وهدفها كلها هو تسهيل حركة السلع والخدمات.

توضح إلفير فابري، كبيرة الباحثين في معهد جاك ديلور والمسؤولة عن الجغرافيا السياسية التجارية، بالقول: “تهدف هذه الاتفاقيات إلى تقليل الرسوم الجمركية، مع حصص قصوى لبعض المنتجات الزراعية، وحواجز غير جمركية”. “هذه الاتفاقيات لديها أيضا نطاق تنظيمي واسع بشكل متزايد لتعزيز معايير إطار الاستثمار الأوروبي، وحماية الملكية الفكرية، والمؤشرات الجغرافية، ومعايير التنمية المستدامة”.

“دول السوق المشتركة الجنوبية”

وهكذا فإن بعض الدول لديها اتفاقية تجارة حرة كاملة مع الاتحاد الأوروبي لأنها جزء من المنطقة الاقتصادية الأوروبية. وهي حالة دول مثل النرويج وليشتنشتاين وأيسلندا. وهو ما يتيح لها التمتع بحرية حركة السلع والخدمات ورأس المال والأفراد.

 

اقرأ أيضاأزمة المزارعين في فرنسا: المحتجون على استعداد لإطالة أمد تحركاتهم و”حصار باريس”

 

فيما أبرمت دول أخرى المزيد من اتفاقيات ذات هيكلية متغيرة مع الاتحاد الأوروبي. من بينها، كندا – اتفاقية سيتا التي دخلت حيز التنفيذ جزئيا في عام 2017 – واليابان والمكسيك وفيتنام وحتى أوكرانيا. وفي الآونة الأخيرة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، فتحت بروكسل الباب أمام نيوزيلندا باتفاق يجب أن يدخل حيز التنفيذ اعتبارا من العام 2024، وأيضا مع كينيا. كما تجري مفاوضات مع الهند وأستراليا حاليا.

لكن الذي يبلور التوترات الرئيسية هو مشروع الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي ودول السوق المشتركة الجنوبية. وهو المشروع الذي بدأت مناقشته لإبرام شراكة تجارية منذ عام 1990 مع الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي لإنشاء أكبر منطقة تجارة حرة على هذا الكوكب، وهي سوق تضم 780 مليون شخص.

فالبعد الخاص بالمنتجات الغذائية لأحدث نسخة من نص هذه الاتفاقية، الذي تم تحريره في عام 2019، يمثل مصدر قلق خاص للمزارعين الفرنسيين. فهذا النص الأخير يحدد حصصا لدول السوق المشتركة الجنوبية للتصدير كل عام، مع رسوم جمركية ضئيلة أو منعدمة، 99 ألف طن من لحم البقر، 100 ألف طن من الدواجن و180 ألف طن من السكر. في المقابل، سيتم تخفيض الرسوم الجمركية لتصدير العديد من المنتجات من الاتحاد الأوروبي مع تسمية المنشأ المحمية.

وتندد النقابات بأنه في الوقت الذي تدفع فيه بروكسل المزارعين إلى تسريع التحول البيئي، فإن هذه الاتفاقيات ستفتح الباب أمام واردات ضخمة، بأسعار أكثر تنافسية، من المنتجات التي لا تلبي نفس المعايير البيئية والاجتماعية لمثيلتها الأوروبية. إن ذلك نوع من “المنافسة غير العادلة” كما يقولون، مشيرين بشكل خاص إلى ظروف تربية الحيوانات التي تمارس في أمريكا الجنوبية، مع استخدام الأعلاف المعدلة وراثيا أو استخدام المضادات الحيوية المحفزة للنمو.

وهكذا صعدت النقابات بجميع تياراتها بعد أن أكدت المفوضية الأوروبية، الأربعاء 24 يناير/كانون الثاني، “أن اختتام المفاوضات مع دول السوق المشتركة الجنوبية” مقرر “قبل نهاية هذه الولاية”. وهو ما يعني قبل الانتخابات الأوروبية المقبلة في يونيو/حزيران 2024.

على الفور، دعت نقابة الأغلبية في اتحاد المزارعين إلى “رفض واضح لاتفاقيات التجارة الحرة”. من جانبه، يدعو اتحاد المزارعين إلى “الإنهاء الفوري للمفاوضات” لهذا النوع من الاتفاقات.

حصيلة متناقضة

تقول إلفير فابري من معهد ديلور: “في الواقع، يختلف تأثير اتفاقيات التجارة الحرة هذه باختلاف القطاعات”. “تهدف المفاوضات التمهيدية للاتفاقيات إلى معايرة فتح التجارة للحد من التأثير السلبي على القطاعات الأكثر تعرضا للمخاطر. وبالتوازي مع ذلك، قد تكون هذه القطاعات الأخيرة رابحة في اتفاقيات أخرى. نهايةً، يتعلق الأمر بإيجاد نقطة توازن إجمالية”.

اقرأ أيضاخمسة أرقام مفتاحية لفهم معاناة المزارعين الفرنسيين وأوضاعهم المالية الصعبة

 

هذا التفاوت يبدو بصورة صارخة في القطاع الزراعي. “قطاع النبيذ والمشروبات الروحية أو قطاع الألبان سيكون له مكاسب أكثر من المزارعين، على سبيل المثال”، تتابع الخبيرة الاقتصادية. وفقا لتقرير صادر عن الجمعية الوطنية في عام 2023، فإن قطاع النبيذ والمشروبات الروحية، وكذلك قطاع الألبان، هما في الواقع “المستفيدان الرئيسان من اتفاقيات التجارة الحرة”.

إن وجود اتفاقيات تجارية تجعل من الممكن القضاء على الفروق في الرسوم الجمركية هو ’عامل مفرط التحديد‘ للقدرة التنافسية للنبيذ الفرنسي”، وفقا لتقديرات السلطات الفرنسية في تقرير عام 2021. غالبية اتفاقيات التجارة الحرة تقلل أو تلغي الرسوم الجمركية لتصدير العديد من المنتجات المحمية المنشأ والخاضعة للرقابة، وهي فئة تنتمي إليها العديد من أنواع النبيذ.

من جهة أخرى، بالنسبة للحوم تكون التأثيرات التي تتعرض لها أقل تحديدًا ووضوحا. إذا كان التوازن بين الواردات والصادرات يبدو لصالح الاتحاد الأوروبي فيما يخص لحوم الخنزير، فإن صادرات الدواجن، في الوقت نفسه، تتناقص تحت تأثير هذه الاتفاقيات. ومن هنا تأتي المخاوف، على سبيل المثال، بشأن المعاهدة المخطط إبرامها مع نيوزيلندا، والتي تنص على استيراد 36 ألف طن من لحوم الأغنام، أي ما يعادل 45 بالمئة من الإنتاج الفرنسي في عام 2022. أما بالنسبة لإنتاج الحبوب، فإن فرنسا لا تزال تتمتع بفائض كبير، باستثناء الصويا.

“ورقة ضغط ومساومة”

إلى جانب التأثيرات على الزراعة، “يجب أن يأخذ هذا النقاش حول اتفاقيات التجارة الحرة في الاعتبار قضايا أخرى”، كما يصر إلفير فابري على القول. نحن في سياق “يتطلع فيه الاتحاد الأوروبي إلى تأمين إمداداته وبخاصة من المعادن الاستراتيجية. ويجب ألا نهمل موارد البرازيل الطبيعية من الليثيوم والكوبالت والغرافيت… إلخ”.

وبالتالي، ينبغي أن يتيح الاتفاق مع تشيلي تصدير المعادن الاستراتيجية مقابل المنتجات الزراعية. من جانبها، تعتبر ألمانيا مدافعا قويا عن الاتفاقية مع دول السوق المشتركة الجنوبية، حيث ترى أنها منفذ لقطاعاتها الصناعية، كما يوضح المتخصص.

“في جميع اتفاقيات التجارة الحرة تقريبا، تعتبر الزراعة دائما ورقة مساومة مقابل بيع السيارات أو طائرات إيرباص”، هذا ما يأسف له فيرمونيك مارشيسو، الأمين العام لاتحاد المزارعين لوكالة الأنباء الفرنسية.

الاتفاق مع نيوزيلندا، على سبيل المثال، سوف “يزعزع استقرار سوق لحوم الضأن في فرنسا”، كما يأسف ميشيل بودوان، رئيس الاتحاد الوطني للأغنام في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية. “نحن لسنا ضد التبادلات، ونحن نعلم أن ألمانيا يجب عليها تصدير سياراتها، أن فرنسا يجب أن تبيع القمح، ويقال لنا إننا بحاجة إلى حليف في المحيط الهادئ ضد الصين وروسيا. ولكن ينبغي أن يكون ذلك مقابل تقديم يد المساعدة لنا، لننتج لحوم ضأن على مستوىً راقٍ” حسب إلفير فابري.

وأخيرا؛ “فهناك رهان لا شك فيه على النفوذ”. “تظل هذه الاتفاقيات أيضا وسيلة للاتحاد الأوروبي لتعزيز معاييره البيئية لقيادة شركائه على طريق التحول البيئي”، كما تأمل هذه الخبيرة، “حتى لو كان ذاك محل تفاوض”. حجة شاركها أيضا وزير الزراعة، مارك فينو: “في معظم الحالات، كانت الاتفاقيات مفيدة، بما في ذلك للزراعة الفرنسية “، كما قال على منصة “إكس”، قبل أن يضيف: “وستكون أكثر فائدة إذا فرضنا المعايير الخاصة بنا”.

نحو تعليق المفاوضات مع دول السوق المشتركة الجنوبية؟

في مواجهة غضب المزارعين، فقد أرادت الحكومة الفرنسية باستمرار نشر الطمأنينة بينهم على الرغم من إحياء المفاوضات من خلال اجتماع بين إيمانويل ماكرون والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في ديسمبر/كانون الأول الماضي. فيما أكد رئيس الوزراء غابرييل أتال في 26 يناير/كانون الثاني أن “فرنسا تعارض بوضوح توقيع المعاهدة مع دول السوق المشتركة الجنوبية”.

ومساء الاثنين، أكد قصر الإليزيه أن المفاوضات قد توقفت في بروكسل بسبب معارضة فرنسا. واعترف إريك مامر، المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، بأن الشروط “لم تنعقد” لاختتام المفاوضات. لكن المباحثات ستستمر”.

وقبل اعتمادها رسميا، يجب التصويت على الاتفاقية بالإجماع في البرلمان، ثم التصديق عليها بشكل فردي من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة.

النص الفرنسي: سيرييل كابو | النص العربي: حسين عمارة



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى