أخبار العالم

واشنطن تدعو بنما إلى سحب علمها من سفن الشحن الإيرانية


ترمب يفاخر بـ«الترمبية» السياسية ويتحوّل ظاهرة في أميركا

خلال حملته للانتخابات الرئاسية عام 2016. ظنّ كثيرون أن دونالد ترمب في السياسة كان مجرد «ظاهرة «تويترية» أميركية، كما رأى عبد الله القصيمي في «العرب ظاهرة صوتية». غير أن تلك الحملة والسنوات التي تلت فوزه بالرئاسة عامذاك، ثم مواقفه بعد خسارته إياها عام 2020 ومحاولته الآن العودة إلى البيت الأبيض، قدّمت ترمب بوصفه ظاهرة عزّ نظيرها منذ استقلال الولايات المتحدة قبل أكثر من 250 عاماً.

على الرغم من أن نجومية دونالد ترمب بدأت في عوالم الأعمال والإعلام منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، لكنه تمكن من تسجيل المفاجأة تلو الأخرى، بدءاً من فوزه بالرئاسة عام 2016 رغم أن كل الاستطلاعات كانت ترجح فوز منافسته هيلاري كلينتون. وعندما شعر أن نجمه آخذ في الأفول عام 2020. لم يترك سبيلاً إلا وسلكه لقلب نتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس جو بايدن. وعوض أن يؤدي إخفاقه إلى إحباطه، يحض ترمب أنصاره الآن إلى «الثأر» – كما قال حرفياً – من خصمه اللدود عبر صناديق الاقتراع مجدداً في انتخابات عام 2024.

صورة مركبة للرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترمب (أ.ف.ب)

لم يأت ذلك من عدم. فعلى وقع استياء بعض شرائح المحافظين من وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض عام 2008، جاء من يرفع شعار «جعل أميركا عظيمة مرة أخرى» بوصفه بديلاً يعدونه مرادفاً لـ«جعل أميركا بيضاء مرة أخرى». وترى هذه الشريحة أن لا مرشّح أفضل من دونالد ترمب ليعيد الاعتبار لمن ساءهم انتخاب باراك أوباما رئيساً للبلاد، التي لا يزال يشكل فيها الأميركيون البيض نحو 70 في المائة من السكان.

تكاد المرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون التي هزمها ترمب الرئيس، تكون انعكاساً آخر للتحالف الذي أوصل أوباما، ثم بايدن إلى البيت الأبيض. لم تعثر النخبة الجمهورية على أفضل من ترمب لمهمة إعادة الأمور إلى نصابها.

صورة من الأرشيف تجمع الرئيس السابق باراك أوباما مع الرئيس الحالي جو بايدن في مارس 2010 (رويترز)

شخصية ترمب

ليس غريباً أن يكون ترمب هو الذي يسعى – على غرار والده فريديرك – إلى استنفاد كل الوسائل الشخصية والمالية والقانونية ثم أخيراً الشعبوية من أجل الوصول إلى مبتغاه. وليس أدل على ذلك مما شهده العقد الأخير من تصميم استثنائي عند ترمب ليس فقط للاضطلاع بدور في الحياة السياسية الأميركية، بل إلى تبوّء مركز القيادة في طول البلاد وعرضها. طغت شخصيته لنحو عقد الآن على الحزب الجمهوري، المعروف أيضاً باسم الحزب القديم العظيم. وهناك من يعتقد أنه لا يزال يسعى إلى الطغيان بشخصه على الولايات المتحدة بأسرها.

وعلى هذا الأساس، تشكلّت «الترمبية» المرتبطة بشخص ترمب، لكن جذورها أعمق، وتتشابك مع اتجاهات سياسية فريدة من نوعها أميركياً. ولكن في الوقت ذاته، تتمايز عن اليمين الأوروبي الذي ظهر في القرن الماضي، ويحاول العودة في القرن الحادي والعشرين.

ماهية «الترمبية»: 4 خصائص

بالنسبة إلى البعض، تُمثّل «الترمبية» بداية لحزب جمهوري جديد، يستند أكثر إلى قاعدة شعبية تعتمد أكثر من السابق على الطبقة العاملة، وليس فقط على أصحاب المهن والحرف العالية الدخل، وتجمع بين الرسائل المناهضة للهجرة والحمائية، والدعوة إلى تفكيك البيروقراطية المتصلبة والفاسدة في واشنطن.

يفاخر ترمب بـ«الترمبية» السياسية التي تتسم بخصائص أربع تكمن فيها مظاهر أكثر تعقيداً. ولكنها تقدم تفسيراً موجزاً لجاذبية الرجل الذي تمكن من افتراس مشهد الحزب الجمهوري، إذ يقول ثلاثة من كل أربعة جمهوريين إنهم يعتقدون أن رجلهم فاز في انتخابات عام 2020.

متظاهرون مؤيدون للرئيس السابق دونالد ترمب خلال اقتحام الكابيتول في 6 يناير 2021 (أ.ب)

تتمثل الخصيصة الأولى في أن ترمب اعتنى بصحبة المشاهير، سواء أكانوا من نجوم السينما أو الشخصيات الإعلامية من الذين اضطلعوا منذ فترة طويلة بدور في السياسة الأميركية، ولعل أبرزهم في العقود الماضية الرئيس السابق رونالد ريغان. غير أن ترمب أفاد من المشاهير أيضاً لتمكين «الترمبية» بعدّه رئيساً تنفيذياً وصانع قرار حازماً بما يتناسب مع صورته السياسية المرغوبة. وهذا ما منحه تفوقاً منقطع النظير على بقية منافسيه الجمهوريين خلال الأشهر القليلة الماضية، رغم الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في أثناء الحملة الانتخابية.

أما الخصيصة الثانية لدى ترمب، فتتمثل في النزعة القومية المعادية للمهاجرين والمليئة بنظريات المؤامرة حول الأجانب. وتحت شعار النصر «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، تعهد ترمب ببناء جدار على طول الحدود المكسيكية، وترحيل جميع المهاجرين غير الشرعيين، فضلاً عن خطته غير القابلة للتنفيذ لحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة.

وتتعلق الخصيصة الثالثة بأن ترمب دخل إلى الحلبة السياسية التي تهيمن عليها النخب من الحزبين الرئيسيين في البلاد. وهذا ما فعله ريغان في أثناء حملته الانتخابية الأولى لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1967، وقد كان مولعاً بالقول: «أنا لست سياسياً»، بل «مواطن عادي ولدي اعتقاد راسخ بأن كثيراً مما يزعجنا سببه السياسيون». وأضاف ترمب إلى ذلك تبجحه الدائم بأنه «ملياردير لا يحتاج إلى ملايين الدولارات من جماعات الضغط».

والخصيصة الرابعة، ولعلها الأهم، هي «الشعبوية الترمبية» التي تجذب مجموعة كبيرة من الناخبين الأميركيين الساخطين على «النخب»، من الذين دعموا المرشحين الرئاسيين من «الحزب الثالث» روس بيرو وجورج والاس، وكذلك السيناتور جوزيف مكارثي. بمثل هذه الشعوبية، تعتمد «الترمبية» على خطاب الاستياء من بنية السلطة الراسخة.

وبالنظر إلى جوانب من شخصيته المثيرة للجدل، ما كان نجاح ترمب السياسي ليتحقق في غياب دعم دوائر مالية له في كل مرحلة من مراحل صعوده. وكان لهذا الدعم وقع الصدمة على الذين كانوا يعرفون دونالد ترمب قبل عام 2016 فقط، بوصفه شخصية «سطحية» في عالم العقارات والمصارعة الحرة وتلفزيون الواقع، وبرنامجه «ذي أبرينتيس».

فكيف تمكن دونالد ترمب من جعل نفسه ظاهرة في السياسة بعدما صعد إلى النجومية في عالمي الأعمال والإعلام؟

«فن الصفقة»

يسلّط ترمب نفسه الضوء على جانب مهم للإجابة عن هذا السؤال. ففي كتابه «فن الصفقة» لعام 1987 مع طوني شوارتز، ادعى ترمب على سبيل المثال لا الحصر أنه دفع خمسة ملايين دولار نقداً لشراء منتجع مارالاغو في فلوريدا، لكنه أكد لاحقاً في واحدة من شهاداته أمام المحكمة أن مصرف «تشايس مانهاتن بنك أقرضه سعر الشراء بالكامل»، مقابل «رهن عقاري غير مسجل». وعلى الرغم من أن الرهن العقاري يحتاج إلى ضامن، أفاد ترمب بأنه «ضمن شخصياً» القرض لنفسه من المصرف الشهير في مانهاتن.

وينتقد مراقبون ماليون هذا النوع من الممارسات، إذ «اشتكى العديد من المصارف من عدم العلم بأن مصارف أخرى أقرضت أموالاً لترمب بناءً على ضمانته الشخصية من دون سجل عام لالتزام رد الدين».

من جهته، يعود الصحافي الاستقصائي الحائز جائزة «بوليتزر»، ديفيد كاي جونستون، إلى «الأصل والفصل» للجذور الألمانية لأسرة درمبف، التي جرى تبسيطها إلى ترمب منذ قرون في ألمانيا، وصارت الآن علامة تجارية فريدة للعائلة في أميركا. ويطرب الرئيس السابق لتعريف «ترمب» في لعبة «بريدج» للورقة، التي تتفوق على كل الأوراق الأخرى، علماً بأن التعريفات الأخرى تشمل «الشيء القليل القيمة، التافه»، و«خدعاً أو غشاً»، بالإضافة إلى «نفخ أو صوت البوق». أما بوصفها فعل، كلمة ترمب الإنجليزية تعني «الابتكار بطريقة عديمة الضمير»، و«التزوير، أو الاختلاق، أو الاختراع»، وفق تعريفات مختلفة.

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في ساوث كارولاينا في فبراير 2024 (أ.ب)

ميوله… اليمينية؟

يعرض جونستون مؤشرات مهمة على الميول العقائدية لعائلة ترمب. يتقصى حقيقة أن فريديريك ترمب، والد الرئيس الـ45 للولايات المتحدة، حمل الإرث العقاري لوالده في نيويورك منذ كان مراهقاً، وما إن بلغ 21 عاماً حتى اعتقلته السلطات على أثر صدامات بين الشرطة وجماعة «كو كلاكس كلان» اليمينية المتطرفة. وعزت الشرطة سبب اعتقاله إلى رفضه الانصياع لأوامر التفرق.

عندما حاولت صحافية أخرى حاصلة على جائزة «بوليتزر» أيضاً، وهي ماغي هابيرمان من «نيويورك تايمز»، التحري عن ميول دونالد ترمب السياسية بشأن علاقة أسرته بجماعة «كو كلاكس كلان»، أجابها بسؤال: «ماذا يتوجب علي أن أقول؟»، مشيراً إلى أن لديه محاميين يهوديين، هما ديفيد فريدمان وجايسون غرينبلات.

من زوايا مختلفة، تلتقي هابيرمان في كتابها لعام 2022 «الرجل الثقة: صناعة دونالد ترمب وانكسار أميركا» مع التساؤلات العديدة التي أوردها جونستون في كتابه «صناعة دونالد ترمب» الذي صدرت النسخة الأولى منه في أغسطس (آب) 2016. ومع أن أياً منهما لم يركز على ما يطيب للبعض تسميته الآن «ظاهرة ترمب» أو «الترمبية السياسية»، فلا شك في أن كلاً منهما قدم أبعاداً مهمة للحال الترمبية، التي توصف بأنها شعبوية وحمائية وانعزالية وقومية.

روّج دونالد ترمب، الذي كان أول رئيس أميركي عديم الخبرة العسكرية أو الحكومية سابقاً، لنظريات المؤامرة وأطلق العديد من التصريحات الكاذبة والمضللة خلال حملاته الانتخابية ورئاسته، إلى درجة غير مسبوقة في السياسة الأميركية. تم وصف العديد من تعليقاته وأفعاله بأنها مشحونة بالعنصرية أو عنصرية، والعديد منها معادٍ للنساء.

المؤامرة والقانون

يقدم جونستون في كتابه جولة قصيرة في الحياة المهنية لترمب، الذي اتّبع إرث والده ومهارته في التلاعب السياسي والتهرب من القوانين، عارضاً لبعض التفاصيل الفاضحة لبناء «برج ترمب»، وعملية الشراء وسوء الإدارة والانهيار المالي لعقارات «كازينو دونالد» في أتلانتيك سيتي.

في ذلك الحين، عرف ترمب كيف يحوّل الفشل نجاحاً نسبياً. فعندما صار مهتماً بمدينة أتلانتيك سيتي، طلب من المدعي العام في نيوجيرسي اختصار إجراءات فحص الخلفية، ملوّحاً بأنه سيتخلى عن البناء في الولاية، ويتوجه إلى نيويورك؛ حيث «أملك مساحة ستكون مناسبة لكازينو». واستجابت الولاية للعرض، في دليل آخر على أنه بمجرد أن يحظى ترمب بالنجاح مع المصارف ومع سلطات المدن أو الولايات، فإنها لا يمكنها أن تتركه يغرق، وفق جونستون. وعندما أفلست «كازينوهاته» في أتلانتيك سيتي، عدته نيوجيرسي أكبر من أن يفشل. وكانت العقوبة أن يحصل على بدل شهري قدره 450 ألف دولار!

لم تتطلب الحيل الصغرى كثيراً، غير استخدام الموارد القانونية لانتزاع المزيد من الدولارات من خلال الثغرات الضريبية المتاحة للأثرياء، ما مكنه مرة أخرى من خفض ضريبة الأملاك على ملعب الغولف الخاص به في بيدمينستر بولاية نيوجيرسي إلى الصفر تقريباً، من خلال الاحتفاظ بحظيرة من الماعز، بهدف تصنيفها «أرضاً زراعية نشطة». وفي حملته الانتخابية لعام 2016، دفع لنفسه مقابل استخدام طائراته الخاصة الكبيرة والصغيرة ومساحة مكتبه في برج ترمب.

العلاقة بالصحافة

قبل جونستون، الذي تصدر عناوين الأخبار أخيراً بنشره أجزاء من إقرارات ترمب الضريبية لعام 2005، قدم الصحافي واين باريت تفاصيل العقدين الأولين في سيرة الرئيس السابق بعنوان «ترمب: الصفقات والسقوط»، التي صدرت عام 1992 بعدما استغرق إعداد كتابه فترة طويلة. وروى قصة صحافي آخر كتب عن ترمب بشكل لم يعجبه، فـ«أخذه إلى المحكمة وأفلسه». وهذا ما فعله أيضاً في دعوى أخرى ضد الصحافي تيم أوبراين الذي لم تعجبه كتاباته. وقال ترمب إن الدعوى تستحق العناء بسبب المتاعب التي جلبها له. وقال: «أنفقت بضعة دولارات على رسوم قانونية، وأنفق أكثر بكثير. فعلت ذلك لأجعل حياته بائسة، وأنا سعيد بذلك».

هذه مجرد واحدة من نحو 3500 دعوى قضائية كان ترمب طرفاً فيها، فيما يعده جونستون أحد أعمال التواصل الاجتماعي العدائية التي تميزه، على غرار التغريدات التي كان ينشرها الساعة الرابعة صباحاً على حسابه في «تويتر» («إكس» حالياً)، قبل إغلاقه بعد هجوم الكابيتول في 6 يناير 2021، وإعادته من طرف إيلون ماسك.

ورغم كل الدعاوى والاتهامات الخطيرة ضده، تمكن دونالد ترمب من إزاحة منافسيه الجمهوريين خلال أشهر قليلة من الحملات الانتخابية. وها هو يتأهب لمواجهة الرئيس جو بايدن، في معركة انتخابية توصف بأنها «استعادية» من عام 2020 ولكنها أيضاً تاريخية.

النائبة الجمهورية الأميركية مارجوري تايلورغرين محاطة بأشخاص يرفعون صور ممرضة قتلت في جورجيا في 9 مارس (إ.ب.أ)

«الترمبية» أيضاً وأيضاً

ذهبت عالمة الاجتماع لدى جامعة «كاليفورنيا – بيركلي»، أرلي راسل هوتشيلد، إلى أقصى الجنوب الأميركي لدرس الهوية المحافظة الناشئة، وأسباب صعود دونالد ترمب. ونشرت في كتابها الصادر عام 2016 بعنوان «غرباء في أرضهم»، ما سمته «القصة العميقة»، التي خلصت فيها إلى أن «الترمبية» ترتبط بشكل وثيق بالاسم الذي تحمله، لأنها موجودة خارج منطق السياسة. وعبّرت عن اعتقادها أن «الصحافة السائدة لا تزال تخطئ في شأن ترمب»، إذ إن الصحافيين «يشعرون بالارتياح في الحديث عن الاقتصاد وشخصية (ترمب)، لكنهم لا يعطون الأولوية لمشاعر» الناس حياله.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى