أخبار العالم

مصر وفرنسا تؤكدان ضرورة العمل على منع اتساع دائرة الصراع في غزة


نقاش ساخن في «منتدى أصيلة» حول تقهقر القارة العجوز وضعف تأثيرها في أزمات العالم

قال خبراء وسياسيون ودبلوماسيون ضمنهم وزراء خارجية سابقون، إن أوروبا التي وضعت مسارات التحديث الكبرى التي غيرت وجه البشرية، من إصلاح ديني وديناميكية تنوير وثورة صناعية ونظم ديمقراطية ليبرالية، وسيطرت بالكامل على بقية العالم في مراحل طويلة من التاريخ، وحملت إليها نموذجها السياسي والاقتصادي والفكري، تعيش اليوم على وقع تراجع وتقهقر، انعكس في ضعف حضورها وتأثيرها في الأزمات العالمية الراهنة.

جاء ذلك في ندوة «منتدى أصيلة الـ44» حول موضوع «أوروبا: بين نوازع القوة والخروج من التاريخ»، التي انطلقت مساء السبت، وعرفت نقاشات ساخنة.

وهدفت الندوة، وهي الثالثة، إلى معالجة التحديات وطرح الإشكالات المتعلقة بحاضر ومستقبل أوروبا، انطلاقاً من ثلاثة محاور، تهم ثغرات ومصاعب وتحديات مشروع الاندماج الأوروبي، وعناصر القوة ومكامن الضعف في الاتحاد الأوروبي والنظام الدولي، واتجاهات وآفاق مستقبل البناء الأوروبي. فيما عددت أرضيتها ظواهر التراجع والتقهقر، مشيرة إلى عودة الحروب إلى قلب أوروبا، وعدم نجاح دولها في بناء منظومة أمنية ناجعة، كما أنها لم تستطع بلورة مقاربة ناجعة في العلاقة بروسيا، وتراجع منزلة القارة العجوز في الاقتصاد العالمي وفي حركية الإنتاج التقني والصناعي، إلى حد الحديث المتزايد في كبريات الدول الأوربية، عن نهاية العصر الصناعي الأوروبي، وتراجع سياسات الاندماج الإقليمي، والفشل في بناء سياسة اقتصادية ومالية متناسقة بين دول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إخفاق مشروع الدفاع المشترك، مع ما شكله خروج المملكة المتحدة، من سابقة خطيرة على المنظومة القارية، وتراجع الدور الاستراتيجي الأوروبي في العالم، مع بروز قوى دولية صاعدة.

الوزير محمد بن عيسى (الشرق الأوسط)

وتحدث محمد بن عيسى، الأمين العام لـ«مؤسسة منتدى أصيلة»، ووزير خارجية المغرب الأسبق، في كلمة افتتاحية، عن تحذيرات كبار القادة والسياسيين والمفكرين الأوروبيين، في السنوات الأخيرة، من انحدار بلدان الاتحاد الأوروبي إلى خطر الخروج من التاريخ، مشيراً إلى أن هذه الدول هي التي قادت النهضة التي عرفها العالم منذ القرن السادس عشر.

وقال منسق الندوة، الدكتور تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس في الرباط وعضو أكاديمية المملكة المغربية، إن «علاقاتنا بأوروبا قوية إلى أبعد الحدود»، وإن هذا النوع من «الترابط القائم بين الطرفين يجعل من كل ما يقع في بلداننا ذا أثر واضح في الفضاء الأوروبي، كما أن ما تعرفه أوروبا من تحولات له انعكاسات كبرى علينا».

وفي مقابل تاريخ أوروبا وحضورها القوي وهيمنتها العالمية منذ قرون، أشار الحسيني إلى أنها تعيش ظروفاً حرجة في مسارها السياسي والاستراتيجي والاقتصادي.

مشاركون في النقاش «الأوروبي» (الشرق الأوسط)

وقال نبيل يعقوب الحمر، مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام، إن نوازع القوة والانحدار والخروج من التاريخ في أوروبا وغيرها «موضوع شائك ومعقد يتعلق بتحوّل الدول والشعوب والتأثيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر في هذا السياق».

ورأى، أنه «لا يوجد حالياً أي دليل على أن أوروبا تخرج من التاريخ أو تنحدر بشكل ما»، مشدداً على أنها «لا تزال تلعب دوراً مهماً في الشؤون العالمية وتحتفظ بتاريخ غني وتراث ثقافي واقتصادي قوي»، مع حديثه، في المقابل، عن «بعض التحديات والمشكلات التي تؤثر على بعض الدول الأوروبية بشكل أكبر من غيرها»، من دون أن يعني ذلك أنها تدخل في مرحلة الانحدار التاريخي.

ولاحظ الحمر، أن هذه التحديات «جاءت ضمن الدور الذي لعبته سياسياً واقتصادياً وعسكرياً طيلة القرون الماضية، من الهيمنة على مناطق كثيرة في العالم ومسؤولياتها في هذا الجانب».

ومن بين هذه التحديات التي تواجهها أوروبا اليوم، يضيف الحمر، «هناك الأزمات المالية التي تعرضت لها بعض الدول الأوروبية خلال العقد الماضي، ومسألة الهجرة واللاجئين، إضافة إلى التحديات السياسية الداخلية وما تعانيه بعض الدول من توترات سياسية داخلية وانقسامات اجتماعية وثقافية قد تؤثر على القدرة على اتخاذ قرارات موحدة، والتعاون الفعال بين الدول الأعضاء». كما تحدث عن تحديات الأمن، والتهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة والتحديات الأمنية الأخرى، التي قد تعزز المخاوف بشأن استقرار أوروبا وتؤدي إلى التأثير السلبي عليها.

وتطرق الحمر إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ورأى أنها أثرت سلباً على مبدأ الحريات في أوروبا، وأيضاً على المستوى العالمي. ورأى، أن أوروبا لطالما كانت منطقة مهمة على الصعيد العالمي، إذ شهدت تاريخاً طويلاً من الصراعات والتغيرات السياسية والاقتصادية. وقال، إنها تطورت بشكل كبير وشهدت تكوين الدول الوطنية، كما تأسست الاتحادات الأوروبية وبدأ العمل على تعزيز التكامل السياسي والاقتصادي بين الدول الأعضاء، بشكل أدى إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي الذي يهدف إلى تعزيز السلام والازدهار في المنطقة، كما تشكلت تكتلات قوية تنافست مع أوروبا وغيرها من القوى الدولية.

من الندوة (الشرق الأوسط)

من جهته، استعرض فينيسنزو إنزو أمندولا، الوزير الإيطالي السابق للشؤون الأوروبية، المسار الذي مرت به أوروبا، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، على درب توحيد جهود البناء، وتحقيق التضامن والحفاظ على السلم، مستعرضاً طرق التعاطي مع الديمقراطية، وصولاً إلى ما يكتنف تعاطيها مع العولمة من تحديات.

وتطرق الدبلوماسي المغربي، حسن أبو أيوب، الوزير المغربي السابق للسياحة والتجارة الخارجية والزراعة، إلى الصدمات التي واجهتها أوروبا في السنوات الأخيرة، قبل أن يستعرض جملة ملاحظات بخصوص حاضر ومستقبل أوروبا في علاقة بعدد من عناصر التدهور والتقهقر، ليتحدث في هذا الصدد، عن تصاعد الخطاب الشعبوي، والإشكال الديمغرافي بفعل التدهور المستمر لهرم الأعمار، وتداعيات التغيرات المناخية، مشيراً إلى أن 20 في المائة من جنوب القارة مهدد بالجفاف.

وتحدث أبو أيوب، عن الذعر المرتبط بالنمو الاقتصادي، بفعل توالي الصدمات، وتراجع وتأثر مستوى الابتكار والبحث العلمي، مقارنة بالصين مثلاً، إضافة إلى عدد من التداعيات المرتبطة بعدد من التحولات المفصلية في التاريخ المعاصر لأوروبا، خصوصاً طريقة تدبيرها لعلاقتها بروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

من جهته، استعرض ناصيف حتي، وزير الخارجية والمغتربين اللبناني الأسبق، تسع ملاحظات، رأى أنها تفسر وضعية أوروبا، منطلقاً في ذلك من الأزمة الاقتصادية التي شهدتها، وتداعياتها حتى الآن على الصعيد الاقتصادي والمالي والمصرفي، بشكل أثَّر على عملية البناء الأوروبي. كما تحدث عن جدلية الأفضلية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإن كانت للتوسع أم الاندماج، مشيراً في هذا الصدد، إلى اختلاف واضح فيما يخص عملية إدماج عدد من الدول داخل الاتحاد الأوروبي.

ندوة أصيلة (الشرق الأوسط)

كما تطرق حتي إلى العولمة المتسارعة، عالمياً وأوروبياً، وما أدت إليه من تشتت وانشطار ضمن الدول وبينها، متحدثاً عن مقاومة وردود فعل تقوم على انغلاق بناء على كل ما هو وطني أو إثني أو ديني، وغيرها، بشكل أدى إلى عودة الجدل حول مسألة تعدد الهويات داخل الفضاء الأوروبي.

وأشار، إلى تداعيات الهجرة غير القانونية، التي دفعت اليمين المتطرف إلى شيطنة الآخر، وفجَّرت خلافات أوروبية حول من يتحمل عبء النازحين والمهاجرين.

وتطرق حتي في خامس ملاحظاته، إلى بحث أوروبا عن نموذج للتعاون الاقتصادي، مشدداً على أنها لم تستطع أن تتحول من قوة في الجغرافيا الاقتصادية إلى قوة في الجغرافيا السياسية. ورأى، أن الأزمة الأوكرانية جاءت حرباً حاملة وعاكسة للأزمات المتعددة والمختلفة التي تعيش أوروبا على وقعها، مشدداً على أن هذه الحرب، أعادت أوروبا لأن تصبح من جديد، مركز الثقل في الصراع الدولي، وذلك كما كان عليه الحال خلال الحرب العالمية الثانية، بحيث أسقطت عملية السياسة الخارجية المستقلة لتلتحق بالحلف الأطلسي، كنوع من «الأطلسة» أو «الأمركة» الزائدة.

سابعاً، تحدث حتي، عن مشاكل الثنائي الفرنسي – الألماني، بشكل أثَّر على دور القاطرة في أوروبا. وتحدث ثامناً عن حوض المتوسط، والطريقة التي تدبر بها أوروبا علاقاتها مع دول شرق وجنوب الضفة المتوسطية، متحدثاً في هذا السياق، عن تجربته الشخصية في علاقته مع المسؤولين الأوربيين، بعد تحول جزء من سياسة أوروبا إلى إقامة جدار بدل الدخول في شراكة مثمرة للجانبين، وكيف خاطبهم ذات لقاء بالقول: «عليكم أن تصدروا جزءاً من الحلول إلى الضفة الأخرى حتى لا تستوردوا مجمل المشاكل عندكم».

وخلص حتي، في آخر ملاحظاته، إلى أن أوروبا اليوم محاصرة في الداخل وفي المحيط المباشر في كثير من القضايا والمشاكل، الشيء الذي يفرض عليها «أن تخرج من سياسة تربيع الدوائر».

الوزير اللبناني السابق يتحدث في الندوة (الشرق الأوسط)

بدوره، تحدث خميس الجهيناوي، وزير خارجية تونس الأسبق، عن العقود الستة الأخيرة من عمر أوروبا، والتحديات التي واجهتها هذه الأخيرة، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي جاء كترياق للأزمات التي عاشتها أوروبا في السابق، ووضع من بين أهدافه جعل الحرب صعبة الحصول على أراضيها. ورأى، أنه بقدر التحقق اللافت للتطور الاقتصادي، كان هناك إشكال فيما يخص الشق السياسي والأمني، كما أن الحرب عادت مجدداً إلى قلب القارة العجوز، وذلك ضداً على كل ما أسس الاتحاد الأوروبي من أجله.

وتطرق الجهيناوي إلى السياسة الخارجية الأوروبية، وقال، إن المصالح الوطنية للأعضاء صارت تسبق المصالح المشتركة للاتحاد. كما استعرض التحديات التي تواجه أوروبا، متحدثاً في هذا الصدد عن تحدي الحفاظ على نموذج القيم، مشيراً إلى أن مبادئ، من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي والليبرالية، أضحت مهددة. كما تطرق إلى عنصر ضعف آخر يتمثل في اليمين المتطرف والميل المتزايد إلى سياسة الانغلاق الهوياتي ورفض الهجرة.

وأشار الجهيناوي إلى تحدٍ آخر يواجه أوروبا، يتمثل في صعوبة تحديد أسس السياسة الخارجية، مشدداً على أن هذه السياسة هي سياسة مشتركة، لكنها ليست موحدة.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى