أخبار العالم

لا تنمية مستدامة ولا أمن غذائي دون استصلاح الأراضي


أربعة أعوام مرت على إطلاق «المبادرة العالمية للحد من تدهور الأراضي والحفاظ على الموائل الفطرية البرية» من الرياض خلال ترؤسها مجموعة العشرين في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2020. وهي مبادرة تستهدف تحقيق خفض بنسبة 50 في المائة في الأراضي المتدهورة بحلول عام 2040، سيما وأن تلك الظاهرة البيئية تُهدد حياة الملايين من الناس وتعيق التنمية المستدامة. فبيانات بيانات الأمم المتحدة للتصحر تشير إلى أن أكثر من ملياري هكتار من أراضي العالم متدهورة، مما يؤثر على نصف سكان العالم. وتحذر المنظمة الدولية من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، سيحتاج العالم إلى استعادة 1.5 مليار هكتار من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2030 للوصول إلى أهداف التنمية المستدامة المنصوص عليها في أهداف التنمية المستدامة.

من هنا كان شعار اليوم العالمي للبيئة لعام 2024 في الرياض في الخامس من يونيو (حزيران) الحالي، التركيز على إصلاح الأراضي والتصحر ومقاومة الجفاف لاستعادة الكوكب. وهو ليس الحدث الوحيد الذي يتناول بعمق مكافحة التصحر واستصلاح الأراضي، حيث تعقد الدورة السادسة عشرة لمؤتمر أطراف الاتفاقية (كوب 16) في الرياض في ديسمبر (كانون الأول) المقبل والذي يعدّ أكبر مؤتمر للأمم المتحدة لحماية الأراضي ومكافحة التصحر.

«عمل المبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي له تأثير على أهداف التنمية المستدامة المتعددة، خصوصاً للمنطقة العربية التي تعاني من قدر كبير من تدهور الأراضي وتواجه أيضاً تحديات الأمن الغذائي وغيرها»، يقول لـ«الشرق الأوسط» مدير مبادرة مجموعة العشرين للحد من تدهور الأراضي باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (والمختصرة بمبادرة الأراضي العالمية لمجموعة العشرين)، الدكتور مورالي ثوماروكودي، مشيراً إلى أن التحدي الكبير لمواجهة هذه الظاهرة هو في توفر التمويل والموارد والمال والخبرة الفنية.

ثوماروكودي الموجود في الرياض للمشاركة في العديد من النشاطات والندوات البيئية التي تنظم لمناسبة اليوم العالمي للبيئة، يشرح لـ«الشرق الأوسط» ما أنجز من هذه المبادرة، والتحديات التي تواجهها. فكان الحوار الآتي:

*كيف تساهم مبادرة الأراضي العالمية لـمجموعة العشرين في تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالبيئة، خصوصاً في الدول العربية؟

بما أن الهدف يتمثل بخفض 50 في المائة من الأراضي المتدهورة عالمياً بحلول 2040، فإن استصلاح الأراضي هو محور المبادرة، بالإضافة إلى العديد من أهداف التنمية المستدامة، وعلى سبيل المثال حماية البيئة، والقضاء على الجوع، وذلك من خلال الطعام الذي نحصل عليه من الأرض.

تأتي 95 في المائة من جميع الأطعمة و99 في المائة من السعرات الحرارية التي يتم تناولها من الأرض. وبالتالي، فإن عمل المبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي له تأثير على أهداف التنمية المستدامة المتعددة، خاصة للمنطقة العربية، التي تعاني من قدر كبير من تدهور الأراضي، وتواجه أيضاً تحديات الأمن الغذائي وغيرها. لذلك، عندما نستصلح الأراضي لن تحسنها فحسب، بل ستساهم أيضاً في الأمن الغذائي وأهداف التنمية المستدامة الأخرى.

*ما الاستراتيجيات المحددة التي تنتهجها المبادرة لمكافحة التصحر وتحقيق الاستدامة البيئية في المناطق الأكثر تضرراً؟

لدينا استراتيجية غنية بالتفاصيل، تتضمن تبادل أفضل الممارسات، بغض النظر عن التحديات التي تواجهها المنطقة العربية. وجلب أفضل الممارسات يمثل العنصر الأول، سواء كانت المشاركة من أجزاء أخرى من العالم أو في المنطقة.

كما تضم الاستراتيجية عنصر بناء القدرات لتحقيق استصلاح الأراضي. لذلك هناك برنامج في المبادرة لتدريب الأشخاص، والشباب، والخبراء، ونحن ننقل هذا البرنامج إلى المنطقة العربية.

كذلك، نعمل مع القطاع الخاص؛ لأن بإمكانه أن يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استصلاح الأراضي. ونحن نعمل مع المجتمعات المحلية في كل عنصر من الاستراتيجية سواء في مجال المشاركة، أو بناء القدرات، أو تشجيع القطاع الخاص، أو التواصل مع المجتمع، وذلك لأن جزءاً كبيراً من الأراضي محمي ومُدار من قبل هذه المجتمعات. وندعم التنمية بشكل فعال في كل هذه المجالات.

*ما الدور الذي تلعبه السعودية في دعم وتنسيق جهود المبادرة؟ وكيف يمكن للدول الأخرى المشاركة بفاعلية؟

كانت المملكة هي التي بادرت بالفكرة الكاملة لهذه المبادرة تحت الرئاسة السعودية لـمجموعة العشرين؛ إذ تمكنت خلال اجتماع وزراء البيئة من إقناع الأعضاء الآخرين بوضع استصلاح الأراضي على رأس جدول الأعمال. ونتيجة لذلك، وافقت دول أخرى عليها وتعهدت بالمساهمة من خلال توفير الخبرة الفنية وتقديم الدعم والحوكمة لهذه المبادرة. لذلك، أصبحت الآن مبادرة عالمية حقيقية للأراضي.

تلعب السعودية دوراً قيادياً للغاية في مجال استصلاح الأراضي، ليس فقط داخل المملكة، ولكن أيضاً على مستوى الشرق الأوسط.

وأعتقد أن الدور الأكبر الذي تلعبه السعودية هو إبراز قضية تدهور الأراضي إلى صدارة النقاش العالمي في كل منتدى، كما سيُعقد مؤتمر أطراف اتفاقية مكافحة التصحر (COP 16)، في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، في الرياض، لذا، نحن ممتنون للغاية لحكومة المملكة على دفعها بقضية الأراضي إلى صميم النقاش العالمي الراهن.

التركيز على إصلاح الأراضي والتصحر ومقاومة الجفاف شعار اليوم العالمي للبيئة الذي تستضيفه الرياض (موقع المبادرة الخضراء)

*ما التحديات الرئيسية التي تواجه تنفيذ مبادرة الأراضي العالمية لـمجموعة العشرين في الدول النامية؟ وكيف يتم التغلب عليها؟

عند تحديد التحديات الرئيسية كانت هناك ستة عناصر هي: أولاً عدم وجود تشريعات وطنية أو المزيد من استصلاح الأراضي، وثانياً حيازة الأراضي على الأرض لتكون الأفضل، وثالثاً يتعلق بالتمويل اللازم لاستصلاح الأراضي، ورابعاً الخبرة الفنية المحتملة اللازمة لأفضل حال، وخامساً المؤسسات اللازمة للترميم، وسادساً حول القطاع الخاص… وليس بالضرورة أن تواجه كل دولة كل المشاكل. ولكن في البلدان النامية على وجه الخصوص، فإن توفّر التمويل والموارد والمال والخبرة الفنية يمثل تحدياً كبيراً. وهذا هو المكان الذي يمكن للدول العربية أن تلعب فيه دوراً في توجيه كل من المعرفة الفنية والموارد المالية لتحقيق استصلاح الأراضي.

*كيف تتعامل المبادرة مع تأثيرات التغير المناخي على التصحر وتدهور الأراضي، وما الحلول المستدامة المقدمة في هذا السياق؟

تلعب الأراضي دوراً مزدوجاً، حيث يمكن أن تساهم في تغير المناخ، وفي الوقت نفسه، يمكن أن تخفف من حدته. وفي استراتيجيتنا، نحن نروج لاستصلاح الأراضي بكل الوسائل، بما في ذلك استعادة الغطاء النباتي للتربة والتشريعات والتنوع النباتي والمادة العضوية في التربة، وكل ذلك يساهم في الحد من تغير المناخ.

كما يمكن للأراضي أيضاً أن تكون مكاناً لتخزين الكربون من خلال التشجير أو عن طريق امتصاصه بالتربة.

*ما النتائج الملموسة التي حققتها المبادرة حتى الآن؟ وما الأهداف المستقبلية المرجوة؟

لقد أنشأنا بالفعل قاعدة بيانات عالمية لاستصلاح الأراضي، وهي تجميع لأفضل الممارسات المتاحة حول تدهور الأراضي على مستوى العالم. ستتضمن هذه القاعدة المعلومات من جميع المصادر العامة المتاحة وجميع اللغات الممكنة.

وبدأنا في تدريب المئات من الخبراء حول العالم على مختلف موضوعات الأراضي، في مجالات متنوعة مثل استصلاح مناطق التعدين، واستعادة الغطاء النباتي باستخدام التقنية الحيوية الزراعية، واستخدام المعلومات الجغرافية المكانية لإدارة الأراضي.

علاوة على ذلك، قمنا بتعزيز برنامج أكاديمي عالمي للزراعة المستدامة واستصلاح الأراضي. وأخيراً، وضعنا برنامجاً للشباب لتمكينهم من استخدام الأراضي منصةً لبناء أعمال تجارية ناشئة، وذلك ليس فقط لتوفير فرص عمل لأنفسهم، ولكن أيضاً لتوفير فرص عمل للآخرين، مع تحقيق الفائدة للطبيعة في الوقت نفسه، وهذه جميعها إنجازات حققناها بالفعل.

أما المرحلة التالية لنا، فهي بالطبع توسيع نطاق كل شيء. لذلك، نستهدف الوصول إلى عشرات الآلاف من الأشخاص، وتدريب مليون شخص من الجامعة، وتشجيع 10 آلاف شخص على بدء أعمال تجارية.

وهناك عدد كبير جداً من الشباب في المنطقة يبحثون عن وظائف وفرص عمل، لذلك نريد أن نخبرهم بأن تدهور الأراضي ليس فقط أزمة بيئية، ولكنه أيضاً فرصة اقتصادية ضخمة لتغيير هذا الوضع.

ونريد أيضاً تدريب الجيل الجديد من الطلاب الصغار في مدارسهم الخاصة على استصلاح الأراضي وزرع شبكة حب للطبيعة؛ إذ نستهدف إنشاء شبكة في نحو 10 ملايين مدرسة في العالم، ولدينا مختبر افتراضي يتعلم فيه الأطفال عن تدهور الأراضي ويمارسون عمليات الاستصلاح، لأنه عندما يهتم كل طالب في الشرق الأوسط بهذه القضية فسيتغير الوضع تماماً.

*كيف يمكن للقطاع الخاص والمجتمع المدني المساهمة في دعم أهداف مبادرة مجموعة العشرين للأرض؟

هناك طريقتان رئيسيتان يمكن للقطاع الخاص من خلالهما المساهمة في تحقيق استصلاح الأراضي، تُعنى الأولى بتقديم الموارد المالية لدعم مبادرات استصلاح الأراضي، وتطبيق أفضل الممارسات في التشجير والزراعة والتعدين، والتي من شأنها تقليل تدهور الأراضي.

ومع ذلك، نعتقد أن الفرصة الأكثر جاذبية للقطاع الخاص تكمن في رؤية استصلاح الأراضي فرصةً تجارية؛ إذ تبحث مئات الشركات حول العالم عن خبراء لتنفيذ مشاريع الاستصلاح.

وهدفنا هو تشجيع القطاع الخاص على رؤية هذا المجال فرصةً تجارية مربحة، والبدء في الانخراط في مشاريع الاستصلاح.

إن المبادرات الخضراء، مثل المبادرة الخضراء للشرق الأوسط والمبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي، جميعها تتطلب مشاركة عدد كبير من الجهات الفاعلة في القطاع الخاص لتنفيذها بنجاح.

وبالانتقال إلى المجتمع المدني، نتصور دوره شريكاً فعالاً في تحقيق أهداف المبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي، وذلك من خلال العمل بشكل مباشر على تنفيذ مشاريع استصلاح الأراضي على أرض الواقع، والمطالبة بالتشريعات الوطنية التي تدعم استصلاح الأراضي، وكذلك الدعوة إلى قيام المؤسسات التعليمية المحلية بإدراج تعليم استصلاح الأراضي ضمن مناهجها الدراسية.

*ما الأدوات والتقنيات الحديثة التي تعتمدها المبادرة في رصد ومتابعة تنفيذ البرامج والمشاريع المتعلقة بالأرض والتصحر؟

الهدف الأهم هو الاستفادة من تحليل الاستشعار عن بعد. وعلى المستوى العالمي، قمنا بإنشاء منصة جغرافية مكانية يمكننا من خلالها تحديد المناطق المتدهورة، حيث نستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد المناطق التي لديها إمكانية الاستصلاح.

لقد أكملنا للتو مشروعاً قمنا فيه بدراسة مناطق التعدين القديمة في جنوب أفريقيا باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهذا يمهد الطريق لتحديد التقنيات التي يمكننا استخدامها للمضي قدماً، ونخطط أيضاً للعمل مع تقنيات مثل الروبوتات الصناعية وإنترنت الأشياء.

وفي بعض الحالات، يمكن تحقيق الاستصلاح الفعلي والمختبري على نطاق واسع باستخدام أدوات ميكانيكية أو روبوتية، خاصة في المناطق التي لا يعدّ العمل البشري فيها الخيار الأمثل.

*ما الخطط المستقبلية لتوسيع نطاق المبادرة لتشمل المزيد من الدول والمناطق المتضررة؟

حالياً، نقوم برسم خريطة عالمية تحدد الدول الأكثر تضرراً، وكذلك الدول التي قطعت بالفعل التزاماً بأولوية الأراضي. ونبحث عن المبادرات الموجودة بالفعل في المنطقة وأماكن أخرى لاستصلاح الأراضي. ومن خلال هذه الخريطة، سنحدد الدول التي يمكننا تقديم المساعدة لها، سواء كانت مساعدة مالية أو فنية أو دعوية، ومن ثم نركز جهودنا عليها.

ولكننا نرغب أيضاً في العمل مع الدول المختلفة التي تمتلك الموارد والخبرات لدعم الدول المحتاجة. لذلك، نسعى إلى أن نكون بمثابة منصة لمشاركة تلك المعارف والموارد.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى