أخبار العالم

في غياب إجماع وطني… انسحاب التحالف الدولي من العراق قد يكون “كارثة مطلقة” على البلاد



أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الجمعة عن رغبة بلاده “الثابتة” في رحيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بعد “انتهاء مبررات وجوده” والذي انتشرت قواته في البلاد لمكافحة الجهاديين منذ 2014. جاء هذا بعد الرد العسكري الأخير للجيش الأمريكي على فصائل مسلحة موالية لإيران كانت استهدفته بعد اندلاع حرب غزة. لتسليط الضوء على هذا الموضوع حاورنا عادل باكوان مدير المركز الفرنسي للأبحاث حول العراق، الذي يرى بأن عواقب الانسحاب المحتمل قد تكون “كارثية” على بغداد.

نشرت في:

9 دقائق

وضعت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط بعد اندلاع الحرب بين حماس وإسرائيل في غزة العراق على غرار دول عربية عدة بالمنطقة، في قلب التداعيات الإقليمية لهذا النزاع الدموي الذي خلّف حسب آخر حصيلة مقتل أكثر من 23 ألف شخص في غزة، وعلى الجانب الإسرائيلي حوالي 1140 شخصا.

ومنذ تفجر الصراع الذي لا يبعد مركزه سوى نحو ألف كيلومتر من بغداد، باتت السفارة الأمريكية وأيضا قواعد التحالف الدولي بقيادة واشنطن المتواجد منذ 2014 لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية” ومنع عودته، هدفا لهجمات متكررة.

تبنى معظم تلك الهجمات التي تشن غالبا بواسطة الصواريخ وأيضا الطائرات المسيّرة، ميليشيات شيعية سابقة باتت تنضوي اليوم تحت لواء القوات النظامية. وهي تحالف فصائل “المقاومة الإسلامية في العراق” والتي تجمع تنظيمات حليفة لإيران ومرتبطة بالحشد الشعبي. تندد هذه الفصائل بالدعم الأمريكي للدولة العبرية في حربها على حركة حماس.

اقرأ أيضاغزة، 3 أشهر من الحرب، دمار شامل وأفق مجهول

ففي ظل عدم قدرتها على بلوغ الأراضي الإسرائيلية مباشرة، تهاجم “المقاومة الإسلامية في العراق” بشكل شبه يومي القوات الأمريكية التي يبلغ عديدها 2500 عنصر، والتي تضم أيضا في سوريا المجاورة 900 عسكري آخرين.

في هذا السياق، جدد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الجمعة رغبة بلاده “الثابتة” في انسحاب التحالف الدولي بقيادة واشنطن والذي يضم عدة دول منها فرنسا وإسبانيا، بدعوى “انتهاء مبررات وجوده”.

وقال السوداني حسب بيان صادر عن مكتبه: “نؤكد موقفنا الثابت والمبدئيَّ في إنهاء وجود التحالف الدولي بعد أن انتهت مبررات وجوده”. مضيفا: “إننا بصدد تحديد موعد بدء الحوار من خلال اللجنة الثنائية التي شُكلت لتحديد ترتيبات انتهاء هذا الوجود”، مؤكدا أنه “التزام لن تتراجع عنه الحكومة، ولن تفرط بكل ما من شأنه استكمال السيادة الوطنية على أرض وسماء ومياه العراق”.

جاءت تصريحات السوداني غداة مقتل قيادي عسكري وعنصر في حركة النجباء بقصف استهدف مقرا للحشد الشعبي في بغداد الخميس 4 يناير/كانون الثاني، في ضربة تبنتها واشنطن وقالت إنها جاءت “دفاعا عن النفس”، واعتبرها العراق “اعتداء” عليه.

“تنامي الخطاب المعادي للولايات المتحدة”

أوضح عادل بكوان مدير المركز الفرنسي للأبحاث حول العراق، في تصريح لفرانس24، بأن “محمد شياع السوداني في حاجة، لأسباب سياسية، لتبني هذا النوع من الخطاب ضد الوجود العسكري الأمريكي، لأنه يحقق له مكاسب سياسية وإعلامية هامة، خصوصا أنه [الخطاب] الأكثر هيمنة في صفوف الإطار التنسيقي [للمقاومة العراقية]”.

فقد حصل محمد شياع السوداني على منصبه كرئيس للوزراء منذ عام، بفضل دعم الإطار التنسيقي، وهو تحالف من الفصائل الشيعية الموالية لإيران والتي تجمع تشكيلات سياسية وممثلين عن الحشد الشعبي.

يضيف بكوان: “هو لا ينسى [السوداني] أنه لم يكن لينصب رئيسا للوزراء لو لم يحظ بترشيح الإطار التنسيقي لهذا المنصب، وبأن لهذا التحالف الكلمة الفصل في إدارة علاقات القوة السياسية، وليس هو. رغم ذلك، فإنه لا يقف في صفوف أولئك الذين ينادون بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي والذين يشوهون صورة واشنطن، الحليف الرئيسي للإسرائيليين، ما يجعله إذا يخاطر كثيرا بفقدان الشرعية في الوقت الذي يكتسب الخطاب المعادي لأمريكا مزيدا من الثقل منذ بداية الحرب في غزة، حيث إن صور المعاناة التي يكابدها المدنيون الفلسطينيون تصل إلى العراقيين”.

يضيف نفس الخبير: “ينبغي على محمد شياع السوداني أن يعلم جيدا أن هذا سيكون بمثابة انتحار سياسي، خصوصا قبل عام وبضعة أشهر من الانتخابات التشريعية (المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2025). إضافة لذلك، هو مصمم بشدة على تقديم مرشحين في كافة أنحاء البلاد لتعزيز فرصه للاحتفاظ بمنصبه كرئيس للوزراء. حتى ولو كان ذلك يعني انخراطه في الشعبوية والاستغلال، برغم أنه كان قد استفاد من دعم الولايات المتحدة والأوروبيين خلال تعيينه على رأس الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2022. كما أنه التقى السفيرة الأمريكية في بغداد لما يقرب من عشرين مرة في ظرف يزيد قليلا عن العام. وهذا ما لم يقم به أي رئيس وزراء عراقي سابقا”.

اقرأ أيضاالعراق: رئيس الحكومة محمد شياع السوداني يتسلم مهامه وسط مظاهرات مناهضة له

يوضح مدير المركز الفرنسي للأبحاث حول العراق أيضا بأن دعم واشنطن للسوداني كان يخضع لشروط معينة، بما فيها مراقبة أنشطة الميليشيات، وجعل خطاب الإطار التنسيقي معتدلا فيما يخص الوجود الأمريكي، وتخفيف التوترات السياسية مع الأكراد والطائفة السنية.

يقول عادل بكوان في هذا السياق: “لكن أقل ما يمكن لنا قوله، هو أن محمد شياع السوداني لم يكن في مستوى الوعود التي قطعها للأمريكيين الذين قاموا في المقابل، بالاستجابة بشكل مثالي للمطالب العراقية التي كانت ذات طبيعة أمنية واقتصادية”.

مخاطر من “أيرنة” الاقتصاد العراقي

يرى نفس الخبير بأن القطيعة مع الولايات المتحدة وإنهاء وجود التحالف الدولي “سيكون مرادفا للكارثة، بل للمأساة المطلقة” بالنسبة إلى العراق واقتصاده.

ويتابع قوله بأنه في حال “إذا ما اختار العراقيون القطيعة، فإن بغداد تخاطر بالتعرض للعقوبات ورؤية الاقتصاد العراقي بأكمله “مؤيرنا”. يعني هذا أن تجد البلاد نفسها في نفس الوضع الذي يعيشه اقتصاد الجمهورية الإسلامية الذي بات في الحضيض بسبب العقوبات الأمريكية. فمن دون الوصول للدولار الأمريكي أو إلى حسابها الذي يديره الاحتياطي الفيدرالي، والذي تمر عبره كافة عائدات النفط العراقي بالدولار، ستخسر البلاد المليارات. ناهيك عن المخاطر الأمنية حيث لا يزال تنظيم “الدولة الإسلامية” نشطا. من ثمة، ففي ظرف ثلاثة أو أربعة أشهر، يمكن لتهديد هؤلاء الجهاديين أن يصبح أكثر خطورة، في ظل غياب دعم التحالف الدولي والقوات الأمريكية”.

من جهتها، ليس مستغربا أن تعلن إيران تأييدها لدعوة رئيس الوزراء العراقي إلى انسحاب القوات الأجنبية من البلاد. ففي نظر طهران “لقد حان الوقت لأن ترحل واشنطن من العراق”.

يتساءل بكوان: “من يستطيع أن يتخيل أن القادة الإيرانيين كانوا ليقولوا بشكل رسمي إن العراقيين ما زالوا بحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي في العراق؟”، يضيف: “لكن الواقع مختلف، حيث يستفيد الإيرانيون بطريقتهم الخاصة، من وجود الولايات المتحدة عند جارهم. خصوصا وأن مليارات الدولارات تمر كل عام من العراق إلى إيران لإنعاش اقتصاد الأخيرة، علاوة على ذلك، فإن انهيار العراق على المستويين الاقتصادي والأمني ​​سيكون له تداعيات وعواقب لا يمكن السيطرة عليها ولا تقدر بثمن بالنسبة إلى طهران”.

لا انسحاب للتحالف بدون إجماع وطني عراقي؟

يرى مدير المركز الفرنسي للأبحاث حول العراق بأن الإيرانيين لو أرادوا التخلص فعلا من الوجود العسكري الأمريكي، لكانوا قد اتخذوا إجراءات جذرية.

ويقول في هذا الشأن: “ما الذي يمنعهم من فعل ذلك. لقد كان لديهم الإمكانية، بفضل وجود 80 ميليشيا تضم ​​ما لا يقل عن 220 ألف مقاتل، لتحويل العراق إلى جحيم للولايات المتحدة بعد اغتيال الجنرال القوي قاسم سليماني في 2020، مهندس النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. لكنهم لم يفعلوا ذلك. لماذا؟”

في المقابل، ورغم الخطابات العدائية، يبدو أن الجنود الأمريكيين المنتشرين في العراق مستعدون للبقاء. يقول عادل بكوان في هذا الصدد: “الأكيد أنهم لن يرحلوا بين عشية وضحاها”، وهو يذكّر بوجود اتفاقية تربط الدولة العراقية والولايات المتحدة، وهي الإطار الاستراتيجي والمعمول بها منذ عام 2009، وهي تقضي أنه في حال لم يخطر أحد الشريكين الجانب الآخر مطلقا بنيته الانسحاب منها، فإن الاتفاقية لن تصبح سارية المفعول سوى بعد مضي عام واحد من تاريخ الإخطار”.

يتابع محاورنا: “لقد عادت الولايات المتحدة إلى العراق في 2014، لأن تنظيم “الدولة الإسلامية” كان يحتل قسما كبيرا من الأراضي العراقية”. يلحظ عادل بكوان ههنا بأن الجهاديين لم يكونوا بعيدين كثيرا عن بغداد. وهو يشدد على “لقد عادوا [الأمريكيين] لأن إجماعا وطنيا كان موجودا حينها، بين الشيعة، السنة، الأكراد، والعرب. كانوا يتوسلون إليهم لكي يرجعوا لأن البلاد كانت في خطر. اليوم، يتطلب الأمر نفس الإجماع الوطني لمطالبتهم بالرحيل، لكن لا الأكراد ولا السنة يؤيدون حاليا مثل هذا الموقف. بل على النقيض من ذلك تماما، هناك مطالبة قوية ببقاء الأمريكيين” في العراق.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى