أخبار العالم

عملية “نيلي”… عندما يذهب الجواسيس الإسرائيليون لمطاردة قادة حماس



أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية أنه تم إنشاء وحدة خاصة من عملاء “الشين بيت” (جهاز الأمن الداخلي) والموساد (جهاز المخابرات الخارجية) أطلق عليها اسم “نيلي”، مهمتها تعقب أعضاء حركة حماس المسؤولين عن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر والقضاء عليهم. عملية تذكر بتلك التي جرت في 1972 ضد فلسطينيي مجموعة “أيلول الأسود” التي اتهمت بالوقوف وراء عملية ميونيخ ضد الفريق الأولمبي الإسرائيلي، ولكن مع اختلافات ملحوظة.

نشرت في:

8 دقائق

 

قد يكون هذا أحد الجوانب الأكثر سرية في حرب إسرائيل ضد حماس. منذ 23 تشرين الأول/أكتوبر بدأت عدة وسائل إعلام إسرائيلية بالحديث عن أن تل أبيب قد أطلقت عملية خاصة لتعقب وقتل أعضاء الحركة الإسلامية الفلسطينية الذين قادوا ونظموا الهجوم المفاجئ الذي وقع في 7 تشرين الأول/أكتوبر على الأراضي الإسرائيلية.

أطلقت أجهزة المخابرات الإسرائيلية على هذه العملية اسم “نيلي”، وهو اختصار محمّل بالرموز. اختصار لجملة “نتساح يسرائيل لو يشاكر”، وهي اقتباس توراتي نستطيع ترجمته على أنه “خلود إسرائيل لن يكذب”، لكنه يشير أيضا إلى شبكة تجسس يهودية دعمت بريطانيا ضد الدولة العثمانية في فلسطين من 1915 إلى 1917 أثناء الحرب العالمية الأولى.

العين بالعين والسن بالسن

ولم يؤكد أي مصدر رسمي وجود عملية “نيلي” حتى الآن. لكن أهرون بريغمان، الباحث السياسي الإسرائيلي في كينغز كوليدج بلندن الذي كتب دراسات عن المخابرات الإسرائيلية، أكد “أنها وحدة مشتركة بين الشين بيت (جهاز الأمن الداخلي) والموساد (جهاز المخابرات الخارجية) تم إنشاؤها بعد وقت قصير من ’مذابح‘ حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر”، ويدعي أنه حصل على تأكيد لوجود نيلي من “مصدر موثوق”.

اقرأ أيضاالحرس الثوري الإيراني يجند متطوعين للقتال في غزة

على أية حال، فإن ظهور وحدة كهذه “أمر لا مفر منه” برأي شاهين مدرس، المتخصص في الشؤون الإيرانية وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في الفريق الدولي لدراسة الأمن (ITSS) في فيرونا. يتابع هذا الباحث موضحا “يحدد ميثاق الموساد أن مهامه تشمل تحييد التهديدات لإسرائيل والانتقام. وبعبارة أخرى، فإن تعقب مقاتلي حماس يقع ضمن نطاق اختصاص هؤلاء الجواسيس”.

من الجدير بالذكر أن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر كان جزئيا نتيجة لفشل أجهزة المخابرات. يوضح شاهين مدرس أن “هذا مثال على ما نسميه ’إحباط الجواسيس‘ وهو ظاهرة معروفة تؤثر على العملاء الذين ظلوا لفترة طويلة في حالة تأهب مستمر حتى أصبحوا في النهاية أقل يقظة”. برأيه هذا الفشل لا يترك للجواسيس الإسرائيليين أي خيار سوى وضع الأمور في نصابها الصحيح عبر عملية حاسمة تؤخذ فيها العين بالعين والسن بالسن.

على مستوى أهدافها، تم تشبيه “نيلي” بعملية “غضب الرب” التي بدأت عام 1973 والتي تعتبر المثال الأبرز لانتقام الموساد الذي لا هوادة فيه. “بعد المذبحة التي تعرض لها الرياضيون الإسرائيليون خلال أولمبياد ميونيخ عام 1972 (على يد جماعة أيلول الأسود الفلسطينية)، طارد الموساد كل من شارك في هذه العملية لمدة عشرين عاما ليقتلهم واحدا تلو الآخر” حسب أهرون بريغمان الذي يقول إن “هذا ما نتوقعه الآن من نيلي”.

تسمح لنا المقارنة مع عملية “غضب الرب” أيضا بالحصول على فكرة عن الوسائل التي يمكن أن تستخدمها إسرائيل في مطاردة من هذا النوع. في ذلك الوقت، تم تزويد خمسة فرق مختلفة من الجواسيس والقتلة بدعم مالي ولوجستي لمدة عقدين من الزمن لمطاردة أعضاء مجموعة “أيلول الأسود” وتصفيتهم مع من ساعدهم أينما وجدوا.

نخبة القتلة

عندها أنشأت إسرائيل وحدة سرية للغاية ضمن قسم العمليات السرية للموساد – تسمى كيدون (الحربة). وهي رأس الحربة للقتلة في المخابرات الإسرائيلية، والمسؤولة عن معظم عمليات تصفية أعضاء مجموعة “أيلول الأسود”. وكان عملاء “كيدون” أيضا هم من عملوا على تصفية العلماء المشاركين في المشروع النووي الإيراني. ويقدر شاهين مدرس أنه “من المحتمل أن يكون بينهم بعض الذين سيشاركون في عملية ’نيلي‘”.

طريقة عملهم لا تقوم على القتل بأقصى قدر ممكن من السرية. فعلى حد تعبير شاهين مدرس “إنهم مسؤولون عن إرسال رسائل إلى الجماعات ’الإرهابية‘ الأخرى وغالبا ما يقومون بتسليط الضوء على الاغتيالات التي ينفذونها”. وهكذا يشتبه في قيام عملاء كيدون في عام 2011 بتصفية داريوش رضائي نجاد، المهندس النووي الإيراني، في منتصف الشارع في طهران بينما كان يصطحب طفله من المدرسة. وفي عام 1978، ألقي باللوم على عملاء كيدون في وفاة الناشط الفلسطيني الشهير وديع حداد، الذي توفي رسميا بسرطان الدم، إذ يقول من يتهمونهم بالوقوف وراء وفاته، إنهم قد سمموا الشوكولاتة التي قدمها له أحد الأصدقاء أو معجون الأسنان الخاص به. لكن الطريقة التي تنفذ بها هذه المجموعة عملياتها في أغلب الأحيان هي استخدام المتفجرات.

المقارنة مع عملية “غضب الرب” لها حدودها أيضا. يؤكد شاهين مدرس أن “الفرق الرئيسي هو أن ’نيلي‘ ستُنفذ بينما إسرائيل في حالة حرب مع حماس”. إن عملية تتبع مقاتلي حماس المعزولين في غزة أو في شبكات الأنفاق سوف تكون أكثر تعقيدا من حيث التنظيم بسبب خطر احتمال حدوثها بالتزامن مع العملية العسكرية على الأرض.

“لا أعتقد أن عملاء ’نيلي‘ سيدخلون خلال المرحلة الأولى من العملية البرية لأن ذلك سيكون خطيرا جدا عليهم. سيذهبون بعدما تكون الأهداف العسكرية البحتة قد تحققت، بهدف القضاء على أولئك الذين تمكنوا من البقاء على قيد الحياة” حسب شاهين مدرس.

من جانبه يعتقد الباحث السياسي الإسرائيلي أهرون بريغمان أن “عملاء الشين بيت سيدخلون مع الجيش الإسرائيلي لمحاولة تحديد مكان الرهائن في أسرع وقت ممكن، وكذلك الأهداف التي سيتم قتلها. وبعد ذلك سيقررون أفضل طريقة للمتابعة”.

في غزة وفي أماكن أخرى من العالم

الميزة الأخرى لـ’نيلي‘ هي أنها تقوم على التعاون بين الشين بيت والموساد. “وبعبارة أخرى، فإن مطاردة أولئك الذين نظموا ونفذوا هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر لن تقتصر على أراضي غزة”، وفق أهرون بريغمان.

تتمثل الأهداف الأكثر وضوحا للاغتيالات الإسرائيلية في أعضاء قوة النخبة من مقاتلي كتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح لحركة حماس. رسميا الجيش الإسرائيلي يستهدف هؤلاء المقاتلين، فهو يعتبرهم منفذي هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر. ومن بين الأهداف ذات الأولوية أيضا القادة الرئيسيون لحركة حماس في غزة – قائد كتائب عز الدين القسام محمد ضيف ونائبه الثاني مروان عيسى وزعيم حماس في غزة يحيى السنوار.

من المفترض أن يكون هؤلاء جميعا لا يزالون موجودين في قطاع غزة، وبالتالي فهم نظريا في متناول اليد الانتقامية لجهاز الشين بيت، الذي يعتبر القطاع تابعا لسلطة أجهزة الأمن الداخلي.

ويوضح أهرون بريغمان أن مشاركة الموساد تعني أن “قادة حماس الذين حددتهم إسرائيل كمنظمي خطة الهجوم ستتم ملاحقتهم حتى في الخارج، سواء في تركيا أو قطر، على سبيل المثال”.

برأيه “سيتعين الآن على خالد مشعل (الزعيم السابق لحركة حماس الذي لا يزال يتمتع بنفوذ) وإسماعيل هنية (الزعيم الحالي للحركة) أن يكونا يقظين أينما كانا”.

ومن المحتمل أن تكون قائمة أهداف عمليات الاغتيال غير نهائية. فأثناء عملية “غضب الرب”، تطورت القائمة بمرور الوقت. يوضح شاهين مدرس أن “أعضاء ’نيلي‘ سيضعون شيئا فشيئا قوائم بالأفراد الذين سيتم استهدافهم، ويجب أن تتم الموافقة عليها على أعلى مستوى في الدولة”. لكن ربما ليس من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو نفسه “حتى يكون قادرا على القول بأنه لم يكن على علم”، على حد تعبير مدرس.

يمكن أن يكون هذا مفيدا، فهذا النوع من العمليات يمكن أن يكون مجازفة كبيرة من الناحية السياسية. “يجب على الموساد الحذر، لأن آخر مرة حاول فيها عملاؤه تصفية خالد مشعل في الأردن عام 1997، فشلوا وألقي القبض عليهم. فشل أدى إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين”، حسب أهرون بريغمان. واضطرت تل أبيب بعد ذلك إلى الموافقة على إطلاق سراح سجناء من بينهم مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة عام 2004.

النص الفرنسي: سيباستيان سايبت/ النص العربي: فؤاد حسن



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى