أخبار العالم

ثور تيماء يقف بثبات على قوائمه الأربعة


ننشر هنا قصيدة مجهولة للشاعر العراقي رشدي العامل (1934 – 19 سبتمبر/ أيلول 1990) لم تنشر من قبل، ولم تتضمنها أعماله الشعرية الكاملة، التي صدرت عن دار «المدى» عام 2010.

وكان الشاعر قد أرسل شريط كاسيت إلى صديقه وقريبه ضمير العاني، المقيم في المغرب، يتضمن هذه القصيدة، عام 1989، أي قبل وفاة الشاعر بسنة واحدة، بيد الشاعر المغربي الراحل محمد الطوبي. ولظروف ما، بقيت هذه القصيدة في أدراجه لأكثر من 30 سنة، إلى أن أرسلها قبل أيام إلى ابن الشاعر، علي.

ينتمي رشدي العامل إلى مرحلة ما بعد الرواد إلى جانب سعدي يوسف ويوسف الصائغ ومحمود البريكان وحسين مردان. وتميز شعر العامل بالتزامه السياسي، مازجاً إياه بحس رومانسي رهيف لم يفارقه طوال حياته القصيرة؛ شاعراً وإنساناً، لا نجد فرقاً كبيراً بين قصيدة رشدي الأولى، في أوائل الخمسينات، وآخر قصيدة كتبها في آخر الثمانينات، حتى ليمكن القول إن رشدي لم يكتب سوى قصيدة واحدة، ابتداء من «أغانٍ بلا دموع»، الصادر عام 1957 إلى آخر قصيدة له. تعرض العامل للاضطهاد في العهد الملكي، ففُصل من الدراسة في شبابه، ونفي إلى القاهرة، ثم عاد إلى العراق بعد انقلاب 1958. وبعد انقلاب 1963 البعثي، سجن في «قصر النهاية». وبعد انقلاب 1968، مُنعت كتابته أكثر من مرة.

من مجموعاته الشعرية: «همسات عشتروت» 1951، و«أغانٍ بلا دموع» 1956، و«عيون بغداد والمطر» 1961، و«للكلمات أبواب وأشرعة» 1971، و«أنتم أولاً» 1983، و«هجرة الألوان» 1983، و«حديقة علي» 1986، و«الطريق الحجري» 1988.

(تخطيط الفنان فيصل لعيبي)

المنعطف

وعبرتُ الحزن

مزقتُ على ارصفة الليل شراعي

عدت أستلقي من الضحك على كل

الذي كنا وكان

جمراتُ الشعر والثورة في

التاريخ والاحرفُ في الراية

والاوتار في القيثار

والبُحّةُ في صوت المغني والاغان

لا الأسى يخنقُ صوتي، لا براكينُ الغضب

كل ما لذتُ به يوماً، بيوتٌ من قصب

كل ما أضحكَ او أبكى مرايا ولعب

يا زمانَ التيه في عقل العصافير مضى ذاك الزمن

ها انا مملكتي الصمتُ وبوابةُ حزني مقفلة

ودروبي أينما يمّمتُ وجهي مستحيلة

في دمي يصرخ ثعبانٌ الى متكأٍ لن أصله

في شفاهي يذبل الوردُ وتبكي السنبلة

فأتركي لي باقة النسيان في سلّة روحي المثقلة

ما انا وهمٌ تخطاك وما انت بخيلة

تعب الوردُ من الطَلَّ، وناء الغصنُ بالاوراق

ضاق الأفقُ بالاجنحة المنتقلة

عُصرت كلُ العناقيد ومال النهر عن مجراه

وأبيضّت عيونُ البرتقال

يبس الصدر وما درّ حليب الثدي بالرضعِ

واستلقى من القهر الرجال

واستحال الثلج اكواماً من الطين

وتلاً من رمال

غير ان الأرضَ ما ضاقت بموتاها وما زالت

تدور المقصلة

في عراء الدرب ألقيتُ وراء الباب ظلي، وتركت

الغابَ والنهر ورائي

والضفاف

ودخلت المعبدَ النائي

تربعتُ على الأرض

لمستُ الخشب البارد والكرسيّ

مهجوراً بركن الاعتراف

قلت يا سيدي الكاهن صليتُ بلا قلب

وغنيتُ بلا صوت

وحاربتُ بلا سيفٍ

ومُتُّ

مرةً في شارع النهر امام امرأة شاحبة الوجه

ركعتُ

مرة في غرفة التعذيب في السجن

بكيتُ

مرة من اجل طفل جاحظ العينين في الدرب

سرقتُ

مرةً في المعركة لم اكن اعرف

من يقتل من

من اجل ماذا

فهربتُ

حاكموني، قطّعوا لحمي اوصالاً

رأيت الله في وجهيَ يبكي، فبكيتُ

غير اني كلما غيّبني قبرٌ عميق، وصرختُ

سحبوني دونما ذنبٍ الى محكمة الصبر

وشقوا كفن الأموات عني وبُعثت

ها انا يا سيدي الكاهن، ارجو الصفحَ والغفران

من غير خطيئة

فنهاراتي ضياءٌ، ولياليّ بريئة

اسأل الربَ ولو شبراً من الأرض

يواريني به حيث ولدتُ

ها انا، ها انتِ، وجهان على المسرح

في احدى الزوايا

عافنا المخرج بين الظل والضوء عرايا

ترتدي اشباحُنا الصمتَ، وتُخفي الأقنعة

لعبةً في مسرح التهريج، ما بين المرايا

حسناً، نحن بلا ارضٍ، ولا وجهٍ، ولا إسمٍ

ولا تاريخْ

ألقانا جناحُ الزوبعة

وبدأنا اللعبةَ

انت المخرجُ الحاذق والناقدُ

انت المسرحيةْ

وانا الشاعر والأشعار، والجوقة والعاشقُ

يبكي والمغني

وانا القاضي، انا الشاهدُ

والمتهمُ الغائب في كل قضية

يركع الحاجبُ: يا سيديَ القاضي

لقد جاءت وفودُ العدل، والمتهمُ الثاني

وسيّافُ العدالة

من هو المتهم الثاني

هو الجمهور يا سيدي القاضي

وها جاء الملقّنْ

تبدأ الجلسةُ نصفَ الليل: باسم العدل والقانون

والرمزِ الذي يحكمنا الربُ خلاله

ينتهي المشهدُ بالاعدام للشاهد والقاضي

وبالحجز على المتهم الثاني، وبالحبس لقيثار المغني

وبجلد الشاعرِ المجنون والعشاقِ في مملكة الله ودفنِ المسرحية

وعلى الناقد والمخرج، قانوناً، رسومُ البلدية

وعلى أجهزة التنفيذ اغلاقُ القضية.

لك وجهان

فوجهٌ يمنح للعين براءته

يمرح كالاطفال

ويرقد في الليل جميلاً ونهائياً

والثاني

يملأه الضجرُ

قل لي كيف أشوفُ الضلعَ

الثالث في منحنيات

الخيبة والقهر، تعكس للضحك المتماوج

كيف ألمُّ الصدقَ من الوجهين

لك قلبان، فقلبٌ للغضب المر

تنوح به الريحُ وتسكنه النار

ويُذكيه الشرر

والآخر كالموج رخياً

يسبح فيه القمر

ايّهما ينأى لو عدتُ اليك

وايهما ينتظر

سأظل اوزع دربي بين الدربين

وامنح نبعَ جراحي للقلبين

لي صوتان

صوت للهمس يقدم أوراقاً رسمية

للحراس الوطنيين، وللباعة في أسواق اللحم البشري والتجار

والصوتُ الآخر، مخبولٌ، للثورة والثوار

يا أمرأةً

تعرفُني وجهين ولا تُبصرني

تُصغي للاصوات على شفتي ولا تسمعني

تسكن نبضَ القلب ولا تعرفني

نحن غريبان نلوذ ببرد الصحراء

نحن طريدان بلا أسماء

نهرب في عُري خطانا

من أقنعة المدن

هذا زمنُ العشقِ الكاذب

خليني عند محطات الليل، وحيداً

منتظراً زمني

أيار 1988



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى