أخبار العالم

انتكاسة جديدة للتصنيع الألماني لماذا لا يتعافى أكبر اقتصاد أوروبي؟



شهد قطاع الصناعات التحويلية الألماني مؤخرا تراجعا غير متوقع، حيث انخفضت الطلبيات الصناعية في أبريل 2024 مقارنة بالشهر السابق، مما يعكس التحديات المستمرة التي تواجه اقتصاد برلين.

وبحسب ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، أفاد مكتب الإحصاء الألماني (ديساتيس) أمس الخميس، أن الطلبيات انخفضت بنسبة 0.2% في أبريل الماضي مقارنة بالشهر السابق، وهو ما يخالف توقعات الاقتصاديين التي أشارت إلى ارتفاع بنسبة 0.6%.

وجاء هذا الانخفاض بعد انخفاض الطلبيات بنسبة 0.8% في شهر مارس الماضي، وهو ما يزيد عن الانخفاض المعلن في البداية بنسبة 0.4%.

انتكاسات متتالية

تعود الانتكاسة الأخيرة التي شهدها القطاع الصناعي الألماني إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أهمها التراجع الكبير في الطلبيات الجديدة للطائرات والقطارات والسفن، وهو ما تقول بيانات مكتب الإحصاء الألماني إنه ليس حدثا عرضيا، بل بل هي جزء من اتجاه عام شهدته الأشهر الماضية، لأنها تراجعت منذ شهر ديسمبر الماضي. الأول من عام 2023 بنسبة 5.4%، وارتفع هذا التراجع بنسبة 15% في إبريل الماضي.

إضافة إلى ذلك، شهدت طلبات الأجهزة والمعدات والآلات الإلكترونية تراجعا كبيرا، وساهمت هذه العوامل مجتمعة في تراجع الطلبيات الصناعية بشكل عام، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.

من ناحية أخرى، تشير الصحيفة الأمريكية إلى أن قطاع السيارات الرئيسي في ألمانيا شهد ارتفاعا في الطلبيات بنسبة 4.1%، إلا أن الطلبيات المحلية انخفضت بنسبة 0.3%، بينما انخفضت الطلبيات الأجنبية بنسبة 0.1% فقط.

وتأتي هذه الانتكاسة في وقت يعاني فيه أكبر اقتصاد في أوروبا من تباطؤ النمو، على الرغم من جهود التعافي من تداعيات جائحة كورونا وأزمات الإمدادات العالمية.

من ناحية أخرى، يعاني القطاع الصناعي من الآثار السلبية الناجمة عن الأزمات العالمية، مثل نقص المواد الخام وارتفاع تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية، مما أدى إلى تعطيل سلاسل التوريد وتأخر الإنتاج.

كما تلقي الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة بظلالها على الاقتصاد الأوروبي، لأنها تزيد من حالة عدم اليقين وتؤثر سلبا على الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

ويؤثر تراجع القطاع الصناعي بشكل مباشر على الاقتصاد الألماني، الذي يعتمد بشكل كبير على الصناعة كمحرك رئيسي للنمو. ورغم أن برلين سجلت نمواً اقتصادياً بنسبة 0.2% في الربع الأول من العام الحالي، إلا أن هذا النمو لا يعكس تحسناً حقيقياً في النشاط الاقتصادي، بل هو نتيجة… زيادة مؤقتة في الإنتاج الصناعي بنسبة 1.0% من يناير إلى مارس.

وينعكس هذا التراجع المستمر في الطلبيات الصناعية أيضا على سوق العمل، حيث يزيد الضغط على المصنعين ويجبرهم على تقليل التوظيف أو حتى تسريح العمال، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على القوة الشرائية للمستهلكين.

أزمات اقتصادية لا نهاية لها

قال البنك المركزي الألماني، اليوم الجمعة، إن التضخم الألماني أثبت عناده بسبب الارتفاع القوي المستمر في الأجور، وأشار إلى أنه على الرغم من انخفاض التضخم برقم مزدوج في أواخر عام 2022، فإن “الميل الأخير” من مكافحة التضخم بدأ يثبت صعبة بشكل خاص.

ويتوقع البنك أن يصل التضخم في ألمانيا إلى 2.8% هذا العام، بعد أن توقع 2.7% قبل ستة أشهر، و2.7% في 2025، مقارنة بـ 2.5% في وقت سابق.

وقبل ثلاثة أشهر، خفض معهد إيفو للأبحاث الاقتصادية توقعاته لنمو الاقتصاد الألماني، مقارنة بتوقعاته السابقة خلال العام الحالي، نتيجة تأخر تعافي الصادرات، إضافة إلى الضعف الكبير في الاستثمارات.

وتوقع المعهد الألماني أن ينمو أكبر اقتصاد في أوروبا بنسبة 0.2% هذا العام، بعد أن أشارت التوقعات في ديسمبر الماضي إلى أن هذه النسبة ستصل إلى 0.9%، بينما توقع البنك المركزي الألماني أن يصل النمو إلى 0.3% فقط هذا العام.

وتشير التقارير الاقتصادية خلال السنوات السابقة إلى أن هذه الانتكاسة الاقتصادية ليست جديدة في ألمانيا. وفي أغسطس من العام الماضي، قالت وزارة الاقتصاد الألمانية في تقريرها الشهري إنه من غير المرجح أن يشهد الاقتصاد الألماني انتعاشا مستداما في الأشهر المقبلة، بناء على مؤشرات مبكرة مثل الطلبيات الجديدة ومناخ الأعمال، بحسب رويترز.

وبحسب الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي أواخر يوليو/تموز 2023، من المتوقع أن يستمر الناتج الإجمالي الألماني في التراجع، وقبل ذلك بثلاثة أشهر كشفت أرقام مكتب الإحصاء الألماني أن اقتصاد البلاد دخل في حالة من الانكماش الفني خلال الفترة الماضية. ربعين من العام الماضي، مع انخفاض إجمالي الناتج المحلي بنسبة 0.3% بين يناير ومارس 2023.

وانعكست هذه الأرقام على الشركات الألمانية، حيث أعلن الكثير منها إفلاسها، وبحسب ما أعلنه مكتب الإحصاء الاتحادي، في شهر يوليو من العام الماضي وحده، فقد ارتفعت نسبة الشركات التي تقدمت بطلب لبدء إجراءات الإفلاس بنحو 23.8% مقارنة لنفس الشهر من عام 2022. .

لماذا يستمر الاقتصاد الألماني في الركود؟

ولم يكد الاقتصاد الألماني ينتعش بعد وباء كوفيد-19 الذي تسبب في تراجع الناتج المحلي الإجمالي في الربعين الأول والثاني من عام 2020، قبل أن تعقبه صدمة الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة التي نتجت عنها.

ورغم تراجع أسعار الطاقة في ألمانيا العام الماضي، فضلا عن التراجع الطفيف في مستويات التضخم، إلا أن هذه المستويات تظل مرتفعة بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، مما يعيق نمو الإنفاق المحلي، ومعه عجلة الاقتصاد الألماني برمته.

وأرجع تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” استمرار ركود الاقتصاد الألماني إلى النموذج الاقتصادي الذي اتبعته البلاد والذي اعتمد دائما على السوق الخارجية “وهو ما جعل أكبر اقتصاد في أوروبا عرضة للصدمات العالمية خلال السنوات الماضية”. “.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن كارستن برزيسكي، كبير الاقتصاديين في مجموعة آي إن جي المالية، قوله: «على مدى السنوات العشرين الماضية، كان لألمانيا دائما أب حنون في الخارج: الصين، ومنطقة اليورو، ثم الولايات المتحدة».

وانخفض الطلب الخارجي على الصناعات الألمانية خلال السنوات الأربع الماضية بسبب سياسات الإغلاق عقب أزمة وباء كورونا العالمية، بالإضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية.

وتتوقع المفوضية الأوروبية نموًا بنسبة 0.1% في ألمانيا لعام 2025، وهو أقل بكثير من متوسط ​​منطقة اليورو البالغ 0.8%. وقالت لجنة المفوضية إن صناعة التصدير الألمانية في السنوات الأخيرة “شهدت تباطؤا ملحوظا، وهو ما يعتبر سببا رئيسيا للضعف الاقتصادي الحالي”.

وعلى الرغم من أن انتعاش التجارة العالمية سيسهم في انتعاش الصادرات في عام 2024، إلا أن المجلس توقع انخفاضا بنسبة 0.3% في الصادرات هذا العام.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى