أخبار العالم

القصة غير المسبوقة لاقتراع تم إلغاؤه وتأجيله ثم تقديمه موعده



دُعي السنغاليون للتوجه إلى صناديق الاقتراع الأحد لانتخاب رئيس جديد، في تصويت يعد الأكثر انفتاحا على الإطلاق في تاريخ البلاد. لكن هذه الاستحقاقات تأتي بعد بضعة أسابيع من أزمة سياسية عميقة، أفرزها قرار إلغاء ثم تأجيل الانتخابات الرئاسية.

يتوجه سبعة ملايين سنغالي الأحد إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد، وطي حملة انتخابية ساخنة، جاءت بعد أزمة سياسية عميقة وغير مسبوقة هزت البلاد.

وتعد هذه الانتخابات استثنائية لأكثر من سبب. فمن ناحية، هي تمثل نهاية عهدة ماكي سال الرئاسية، بعد أن أمضى اثني عشر عاما في سدة الحكم. كما أنها تشهد تنافس 17 مرشحا وهي بذلك تعد الانتخابات الرئاسية الأكثر انفتاحا منذ استقلال البلاد في 1960.

من جهة أخرى، تتوج هذه الاستحقاقات معركة سياسية مكثفة حول موعد الانتخابات، والتي كانت مقررة أصلا في 25 فبراير/شباط، وتسبب إلغاؤها قبل ثلاثة أسابيع من قبل الرئيس في صدمة عبر البلاد.

تتبعت فرانس24 في هذه الورقة، أبرز مراحل هذه الأزمة الديمقراطية غير المسبوقة في السنغال.

الوقف المفاجئ للمسار الانتخابي

السبت 3 فبراير/شباط: ألقى ماكي سال خطابا على شاشة التلفزيون الوطني. وقبيل ساعات قليلة من انطلاق الحملة الرئاسية فقط، أعلن على عكس كل التوقعات عن تأجيل الاقتراع إلى أجل غير مسمى.

وقال سال في كلمته: “تواجه بلادنا منذ عدة أيام خلافا بين الجمعية الوطنية (البرلمان) والمجلس الدستوري، في نزاع مفتوح على خلفية قضية فساد مزعومة للقضاة”، واعتبر أن هذا الوضع يهدد بضرب مصداقية الانتخابات.

اقرأ أيضاعلى وقع أزمة سياسية.. الرئيس السنغالي يؤكد أن ولايته ستنتهي في وقتها المحدد

 

قبل أربعة أيام من ذلك، وافق برلمان السنغال على إجراء تحقيق برلماني لتسليط الضوء على أسباب إبطال الترشيحات. جاء ذلك بطلب من حزب كريم واد، الذي جرى استبعاده من السباق الرئاسي لأنه يحمل الجنسية الفرنسية، في حين أن المرشحين السنغاليين فقط هم الذين يحق لهم المشاركة في الانتخابات. وادعى معسكره أنه يشتبه في “صلات مشبوهة” لاثنين من قضاة المجلس الدستوري مع مرشحين، لا سيما أمادو با وهو رئيس الوزراء والوريث المختار للحكم من قبل ماكي سال.

بالتزامن، أوقفت الشرطة مرشحة أخرى هي روز ورديني، التي صادق المجلس الدستوري على ترشيحها، بتهمة “التزوير واستعماله والاحتيال”، للاشتباه في أنها تحمل هي الأخرى الجنسية المزدوجة الفرنسية السنغالية.

مناورة سياسية؟

بالنسبة إلى ماكي سال، فإن “هذه الظروف المضطربة” يمكن لها أن “ترسخ بذور أزمة التقاضي قبل الانتخابات وبعدها”. حيث أكد الرئيس بأن “بلادنا لا يمكن لها أن تسمح بأزمة جديدة” بعد أحداث العنف في مارس/آذار 2021 ويونيو/حزيران 2023.

وأعلن عن إقامة “حوار وطني” من أجل تنظيم “انتخابات حرة وشفافة وشاملة”، مؤكدا في نفس الوقت التزامه بعدم الترشح. لكن قراره أثار عدة تساؤلات في السنغال خصوصا وأن نواب الحزب الحاكم أنفسهم صوّتوا لصالح إنشاء لجنة تحقيق برلمانية. لكن ورغم أنهم زعموا بأنهم يريدون تبييض وجه مرشحهم أمادو با، فإن المعارضة انتقدت “مناورة” تهدف لنسف الانتخابات الرئاسية وتجنب هزيمة مرشح الأغلبية.

في ظل الانتقادات التي طالته حتى داخل معسكره، بات رئيس الوزراء أمادو با يواجه مرشحين منشقين: وزير الداخلية السابق علي نغويل ندياي، ورئيس الوزراء السابق محمد بون عبد الله ديون والذي عمل سابقا مديرا لمكتب رئيس الدولة.

اقرأ أيضاالسنغال: دعوة لمظاهرة للمطالبة بتحديد موعد للرئاسيات وسط أزمة سياسية غير مسبوقة

لكن عموما، فإن التهديد الذي يواجه مرشح السلطة يجسده في المقام الأول باسيرو ديوماي فاي الذي يُنظر إليه على أنه غريمه الرئيسي، وهو الذي اختاره عثمان سونكو ليحل محله في الانتخابات الرئاسية بعد رفض ترشيحه.

ردا على قرار ماكي سال وقف المسار الانتخابي، انتقد أمادو با (عدم الخلط بينه وبين رئيس الوزراء)، المحامي والمؤيد لباسيرو ديوماي فاي حججا واهية حسبه، مشيرا إلى أن لجنة التحقيق لم يتم تشكيلها فقط على خلفية “شبهات فساد بسيطة”.

وفي اليوم الذي أعقب خطاب رئيس الدولة، تظاهر مئات السنغاليين في داكار، حيث اندلعت اشتباكات مع الشرطة.

تأجيل الانتخابات إلى 15 ديسمبر/كانون الأول

وبغية إلغاء الانتخابات، قام ماكي سال بإلغاء مرسوم استدعاء الهيئة الناخبة. ويتبقى تحديد موعد جديد للتصويت. لكن ائتلاف كريم واد، الذي كان يطالب بالتأجيل لمدة ستة أشهر، بادر إلى تقديم مشروع قانون إلى البرلمان. وفي سياق متوتر بشكل خاص، وافق النواب أخيرا في 5 فبراير/شباط على تأجيل التصويت إلى 15 ديسمبر/كانون الأول، واعتبروا بأن التاريخ المقترح في البداية أي 25 أغسطس/آب، هو مشؤوم بسبب موسم الأمطار.

لكن الموعد النهائي الجديد، لن يؤدي في الواقع سوى إلى تمديد ولاية ماكي سال لمدة عشرة أشهر إضافية، والتي كان من المفترض أن تنقضي في 2 أبريل/نيسان. وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع أصوات كثيرة منددة بما أسمته بـ”الانقلاب الدستوري” الذي يخول للرئيس بالبقاء في السلطة.

من ثمة، قام عدد من المرشحين الرئاسيين بإيداع طعون لدى المحكمة العليا والمجلس الدستوري لمنع هذا التأجيل.

وفي الشوارع، ارتفع التوتر أكثر. ففي 9 فبراير/شباط والأيام التي تلتها، قمعت الشرطة المظاهرات التي نظمت في ربوع البلاد. بالمحصلة، لقي أربعة سنغاليين مصرعهم في سانت لويس، داكار، وزيغينشور جنوب البلاد، في إطار أحداث تشكل أسوأ اندلاع لأعمال العنف بهذه الفترة من الأزمة.

تقريب موعد التصويت وتحديده بتاريخ 24 مارس/آذار

في 15 فبراير/شباط، أصدر المجلس الدستوري حكمه في الاستئناف الذي تقدمت به المعارضة. لقد شكل القرار ضربة موجعة للأغلبية، حيث تقرر إلغاء مرسوم ماكي سال إلغاء الانتخابات لعدم وجود أساس قانوني. نفس الشأن بالنسبة إلى نص القانون الذي كان قد أقره البرلمان لتأجيل الانتخابات الرئاسية، حيث اعتبرت هذه الهيئة أنه مخالف للدستور.

كما لفت المجلس الدستوري إلى “استحالة تنظيم الانتخابات الرئاسية في الموعد المقرر لها أساسا” أي في 25 فبراير/شباط، داعيا “السلطات المختصة إلى إجرائها في أقرب وقت ممكن”.

في مطلع مارس/آذار، أوصى “الحوار الوطني” الذي نظمه رئيس الدولة، وقاطعته المعارضة، بإجراء الانتخابات في 2 يونيو/حزيران. كان ذلك يتيح لماكي سال بالاحتفاظ بمنصبه حتى تنصيب الرئيس الخامس للسنغال. وهو اقتراح رفضه المجلس الدستوري هو الآخر، وقضى بضرورة إجراء التصويت قبل انتهاء ولاية الرئيس في 2 أبريل/نيسان.

في 7 مارس/آذار، توصل ماكي سال والمجلس الدستوري أخيرا إلى اتفاق على تحديد 24 مارس/آذار، كموعد نهائي لتفادي التزامن مع عطلة عيد الفصح، الأحد الموالي، لكنه يعني بأن الحملة الانتخابية ستجرى في عز شهر رمضان، لأول مرة في تاريخ البلاد. كما تم تقليص مدة الحملة من 21 إلى 17 يوما للسماح بتنظيم الاستحقاق بوتيرة أسرع.

اقرأ أيضاالسنغال: المجلس الدستوري ينشر قائمة جديدة للمرشحين في الانتخابات الرئاسية

في 14 مارس/آذار، تم الإفراج عن عثمان سونكو ومرشحه البديل باسيرو ديوماي فاي أي قبل عشرة أيام من موعد الانتخابات، في إطار قانون العفو الذي اعتمده البرلمان قبل أسبوع، ما أثار حماسة أنصارهما الذين عبروا عن فرحتهم بالانتخابات بمسيرات في شوارع داكار.

وأخيرا، في اليوم الموالي، رفضت المحكمة العليا أقصى طلبات معسكر كريم واد والذي كان يرمي لمنع التصويت، تحت ذريعة أن وقت التنظيم قصير للغاية، ما أدى لإزاحة آخر عقبة محتملة أمام إجراء التصويت في 24 مارس/آذار الجاري.

  • أبرز ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية في السنغال

دُعي حوالي 7.3 مليون ناخب سنغالي (من أصل 18 مليون نسمة) للتصويت الأحد 24 مارس/آذار، وانتخاب رئيس خامس للجمهورية. وهي الانتخابات الرئاسية الثانية عشرة منذ استقلال البلاد في 1960.

كانت هذه الانتخابات في قلب أزمة سياسية بدأت في فبراير/شباط إثر قرار الرئيس ماكي سال إلغاء الاقتراع، ما أدى لخروج مظاهرات قمعتها الأجهزة الأمن. بعدها، تم تأجيل التصويت 10 أشهر إثر تصويت في الجمعية الوطنية (البرلمان). لكن، وبعد شهر من التردد الذي أثار قلق الرأي العام المحلي وقسما من المجتمع الدولي، تم تحديد موعد الانتخابات الرئاسية أخيرا في 24 مارس/آذار، أي قبل انتهاء ولاية ماكي سال، امتثالا لقرار المجلس الدستوري.

  • 🗳️ ماهي طريقة التصويت؟

يتم انتخاب رئيس الجمهورية في السنغال عبر الاقتراع العام المباشر وبأغلبية العضو الواحد في جولتين. ومنذ الاستفتاء على الدستور عام 2016، باتت مدة ولاية الرئيس محددة بخمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فحسب.

للفوز من أول جولة، ينبغي أن يحصل المرشح على الأغلبية المطلقة (أكثر من 50 بالمئة من الأصوات). في حال عدم حصول أي من المرشحين على هذه النتيجة، يجري تنظيم جولة ثانية خلال الأسبوعين التاليين لإعلان النتائج، للاختيار بين المرشحين اللذين حلاّ في مقدمة النتائج.

  • 🗳️ من له الحق في الانتخاب؟

تتيح المادة إل-26 من قانون الانتخابات لأي مواطن سنغالي يبلغ من العمر 18 عاما أو أكثر، ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية وهو مسجل في الدوائر الانتخابية، أن يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية. كما يُسمح للأجانب السنغاليين الذين حصلوا على الجنسية ولم يحتفظوا بجنسية أخرى، والأجانب السنغاليين الذين تجنسوا عبر الزواج، بالانتخاب، في حال لم تعترض الحكومة على ذلك عبر مرسوم.

  • 🗳️ من هم المرشحون؟

لأول مرة في التاريخ السياسي للسنغال، لم يترشح الرئيس المنتهية ولايته ماكي سال الذي يتولى السلطة منذ 2012.

حسب المادة 28 من الدستور السنغالي، يمكن لأي شخص يحمل الجنسية السنغالية حصرا أن يترشح لرئاسة الجمهورية. تم رفض العديد من المرشحين على خلفية جنسيتهم المزدوجة، مثل كريم واد مرشح الحزب الديمقراطي السنغالي الذي تخلى عن جنسيته “بعد فوات الأوان”.

تم الكشف عن اللائحة النهائية للمرشحين للانتخابات الرئاسية في 20 يناير/كانون الثاني، وكانت في البداية تحتوي على 20 اسما. لم يتبق منهم سوى 17 متنافسا إثر انسحاب روز ورديني، بعد الشكوك المحيطة بجنسيتها السنغالية والفرنسية المزدوجة، ثم الشيخ تيديان ديي وحبيب سي، وكلاهما ضمن معسكر المرشح المعارض للنظام باسيرو ديوماي فاي.

كما استبعد عثمان سونكو من السباق الرئاسي في يناير/كانون الثاني، والذي كان شخصية محورية في مواجهة استمرت أكثر من عامين مع الدولة، وأدت إلى سلسلة من الاضطرابات الدامية.

  • 🗳️ كيف تم انتقاء المرشحين؟

حتى يتمكن المرشحون من المشاركة في الانتخابات الرئاسية، يجب عليهم الحصول على توكيل من الناخبين المسجلين في الدوائر الانتخابية.

يحق لكل مرشح الحصول على ثلاثة أنواع من التوكيلات وفق المادة إل-121 من قانون الانتخابات:

  1. توكيل المواطن: بموجبها، يجب عل المرشح الحصول على نحو 45 ألف توكيل صالح، أي 0.6 بالمئة من إجمالي عدد الناخبين، وما لا يقل عن 2000 توقيع عن كل منطقة في سبع مناطق. وإذا اقتضت الضرورة، تضاف توقيعات في باقي أنحاء البلاد أو عبر الشتات، علما بأنه لا يمكن لنفس الناخب أن يقدم سوى توكيلا لمرشح واحد فقط.
  2. توكيل النواب: يتطلب أن يحظى كل مرشح بتوكيل قائمة تضم 13 ممثلا منتخبا للجمعية الوطنية (البرلمان).
  3. توكيل المسؤولين المنتخبين:  يمكن توكيل كل مرشح من قبل 120 عمدة أو رؤساء مجالس المقاطعات.

ناهيك عن دفع وديعة إجبارية مقدرة بـ30 مليون فرنك أفريقي (نحو 46000 يورو) للتحقق من صحة ملف الترشح.

  • 🗳️متى سيتم الإعلان عن النتائج؟

رغم أنه من الممكن معرفة النتائج الأولية في وقت مبكر من ليل الأحد الإثنين، لكن ينبغي عموما التريث لعدة أيام قبل الإعلان عن النتائج الرسمية النهائية من المجلس الدستوري. في غضون ذلك، يتم إرسال تقارير النتائج إلى كل محكمة إقليمية، ويتم تجميعها قبل إحالتها على المستوى الإقليمي.

تنص المادة إل- 88 من قانون الانتخابات، على أنه لدى كل منطقة مهلة حتى منتصف ليل الثلاثاء التالي ليوم الاقتراع لنشر نتائجها. يتم الإعلان عن النتائج من قبل لجنة تعداد المقاطعات في ظرف لا يتجاوز منتصف ليل الجمعة الموالي للاقتراع، أي 29 مارس/آذار بالنسبة لهذه الانتخابات.

بعد الإعلان عن النتائج المؤقتة، يبقى أمام المرشحين مهلة 72 ساعة لتقديم الطعون. بمجرد استنفاد المواعيد القانونية النهائية للبث في الطعون، يعلن المجلس الدستوري النتائج الرسمية ويجري تنظيم جولة ثانية في حال لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى